انتهت أزمة الحكم في الكويت وآلت الأمور في نهايتها إلى ما آلت إليه بتنحية الشيخ سعد العبدالله عن مسند الإمارة ومبايعة الشيخ صباح الأحمد أميراً للبلاد بعد أيام من التجاذبات السياسية والأسرية وضع خلالها الكويتيون أيديهم على قلوبهم، لكن كلمة الحسم في النهاية كانت لمؤسسات المجتمع المدني متمثلة في مجلس الأمة الذي قال كلمة الفصل في هذه الأزمة ليصبح القرار في النهاية «قرار شعب» باعتباره صادراً عن ممثلية في البرلمان وفق قنوات دستورية قبلت بها كافة أطراف الأزمة فلا صوت يعلو على صوت الدستور.
وبتولى الشيخ صباح الأحمد الصباح مقاليد الحكم تكون الكويت قد دخلت حقبة جديدة في تاريخها وهو ما أكده الأمير سواء في خطابه بالنطق السامي خلال جلسة ادائه بالقسم أو في كلمته التي وجهها إلى مواطنيه (الاثنين) عبر اجهزة الإعلام الرسمية الكويتية، لكن التساؤلات بدت تثار حول أي عهد جديد دخلته البلاد؟، مع الأخذ في الاعتبار ان الشيخ صباح كان من يصرف أمور الدولة منذ أكثر من أربع سنوات نظراً لحالة الشيخ جابر والشيخ سعد الصحية.
القراءة الأولية للخطابين تؤكد أن الشيخ صباح مستمر في مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي الذي بدأها قبل أكثر من عامين عندما فصل منصب ولاية العهد عن رئاسة مجلس الوزراء، يومها اصبح رئيساً للحكومة بالأصالة لا الانابة، وحينها ايضاً فتح عددا من ملفات الإصلاح السياسي بدأها بملف تعديل الدوائر الانتخابية وقانون المطبوعات والنشر ومشروع حقول الشمال النفطية، الأول تعثر لعدم الوصول مع البرلمان لصيغة توافقية حوله، والثاني والثالث مازالا في طور اجراء بعض التغييرات على عدد قليل من بنودهما استعداداً لطرحهما أمام مجلس الأمة للتصويت عليهما، وبعد انتهاء اللجان البرلمانية الخاصة من صياغتهما. على ان انجاز قانون منح النساء الكويتيات حقوقهن السياسية الذي تحقق بفارق أذهل المراقبين (12) صوتاً في مايو الماضي، كان بمثابة التأكيد على مضي الشيخ صباح قدماً في طريق الإصلاح وتسريع وتيرة الخطى الاصلاحية، كما أن اعادته لمشروع تعديل الدوائر الذي تعثر سابقاً، عبر تشكيل لجنة وزارية قبل شهرين لتقديم دراسة حول التعديل بصيغة جديدة، يعتبرها البعض اثباتاً على انه يهدف إلى الاصلاح قولاً وعملاً. وإذ يصف الكويتيون الأمير الجديد بأنه لا يغير قناعاته ومواقفه كثيراً ولا يعرف اليأس عندما يؤمن أو يتبنى أي قضية، فإن انجاز مشروع تعديل دوائر الانتخاب وكذلك اقرار قانون المطبوعات والنشر الجديد اضافة لتطوير حقول الشمال قد يكون من المسلمات خلال الفترة القادمة رغم المعارضة النيابية لصيغها المطروحة التي تقدمت بها الحكومة. لكن هذا الوضع لا ينطبق على مشاريع اصلاحية أخرى كاشهار الأحزاب السياسية وتخفيض سن الناخب والسماح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات، لأنها مشاريع لا تحظى بقبول الشيخ صباح، لذلك فمن الصعب ان ترى النور حسب ما يرى المراقبون. وتقلل قوى سياسية كويتية من أهمية النظرة التفاؤلية التي ينظر بها البعض للكويت في عهدها الجديد باعتبار ان ما سيتم انجازه من خطوات اصلاحية هي نتاج خطوات إصلاح تراكمية الكثير منها كان بمبادرة من مجلس الأمة وليس من القيادة السياسية.
مجلس الوزراء
تمثل التشكيلة الوزارية لأي حكومة كويتية جديدة دائماً وابداً لب المشكلة وبواعث الصراع والتأزيم بين السلطتين على مدى تاريخ الحياة النيابية في الكويت، فغالباً ما تكون علاقة المجلس بالحكومة علاقة عدم ثقة وريبة أكدها استمرار عجلة الاستجواب النيابي للوزراء، ولعل علاقة مجلس الأمة الحالي بالتشكيلة الحالية ايضاً قد اثبت هذه الحقيقة بما لا يدع مجالاً للشك، فالثلاث سنوات الماضية وهي عمر المجلس قد شهدت ستة استجوابات، واستقالة ثلاثة وزراء هم محمد أبوالحسن وزير الإعلام ومحمد الجارالله وزير الصحة ومحمود النوري وزير المالية على اثر استجوابات قدمت بحقهم من بعض النواب. ومن هذا المنطلق ارتفعت وتيرة المطالبات بأن تكون التركيبة الوزارية المزمع الإعلان عنها خلال الاسبوعين القادمين بعد أن تقدمت الحكومة الحالية باستقالتها إلى الشيخ صباح، حكومة إصلاحية قادرة على تنفيذ خطط وبرامج التنمية. ويقول نواب كويتيون انهم ليسوا بحاجة إلى وزراء عبارة عن مديرين كبار فقط، يحضرون الجلسة الاسبوعية لمجلس الوزراء دون ان يتحدثوا مع رئيس الحكومة ويخالفونه الرأي في بعض القضايا المطروحة على جدول الجلسة باعتبار ذلك ظاهرة صحية، فيما يقوم اولئك الوزراء بعد تقديم استقالاتهم، أو خروجهم من التشكيل بالحديث عن معارضتهم لبعض خطط الدولة ولكن في الدواوين والمجالس والمنتديات بينما يلتزمون الصمت عندما كانوا يحملون حقائب وزاراتهم. ويطالب النواب بوزراء من الكفاءات والدماء الجديدة التي يمثل عملهم في الجسم الحكومي عامل تقريب بين السلطتين لا عامل تأزيم، وهو ما يجب ان يقدم عليه رئيس الحكومة الجديد الذي سيعينه الشيخ صباح عند اختيار وزرائه ويرتفع سقف تلك المطالبات لدرجة الضغط باتجاه تطبيق نصوص الدستور التي تقضي بالتصويت في مجلس الوزراء والأخذ برأي الأغلبية عند أي قضية يختلف عليها المجلس وهي النصوص التي لم تفعلها أي حكومة كويتية سابقة.
البرلمان
يخيل لمن يتابع الحياة البرلمانية الكويتية ان مجلس الأمة غالباً ما يظهر بعباءة (المظلوم) من قبل الحكومة وحتى الصحافة المحلية حسب ما يروج اعضاؤه، وان الحكومة تحاول نزع مخالب المجلس، لكن الحقيقة ليست كذلك تماماً، فبعض الأعضاء هم من يرتمي في احضان السلطة إذا ما تم استثناء كتلة العمل الشعبي التي تمثل خط المعارضة في المجلس، وبعض اعضاء الكتلة الإسلامية. فالمعارضة من أجل المعارضة فقط اساءت للمجلس وضرت بعلاقة النواب والوزراء من جهة، وانهاك الوزراء من قبل الأعضاء المحسوبين على الحكومة واستهلاك وقتهم لانجاز معاملات ناخبيهم عطلت سير عجلة العمل في وزاراتهم من جهة أخرى، والنتيجة الحتمية لذلك هي الشعور بعدم الرضى عن أداء الوزراء لدى الرأي العام الكويتي، وهذه النقطة تطرق لها الشيخ صباح كثيراً عندما كان رئيساً للحكومة، إذا أكد غير مرة ان النواب يتهمون السلطة بالنكوص في وعودها الإصلاحية، بينما المجلس بنزاعاته واختلاف كتله وتصيدها على الوزراء هو ما يعيق مسيرة الاصلاح بسبب ما دأب الأمير الجديد على تسميته ب«المصالح الانتخابية الضيقة»، ولعل اختلاف المجلس على صيغة قانون تعديل الدوائر الانتخابية وبالتالي رفضه يثبت ان المعضلة في البرلمان لا الحكومة. على ان هذا الوضع لا يلغي حقيقة وجود اعضاء وكتل في المجلس جعلت من المصلحة العامة نصب عينيها واطلقت دعوات جادة لبدء علاقة جديدة في علاقة السلطتين، لكن ذلك يتوقف على كيفية تعامل القيادة السياسية في العهد الجديد.
عندما كان الشيخ صباح رئيساً للحكومة وتحديداً في شهر سبتمبر الماضي سئل عن الفساد الاداري في الكويت فقال: ان الفساد الموجود في بلادنا لا تستطيع ان تحمله الجمال، هذا الاعتراف الذي جاء من رأس هرم السلطة التنفيذية يومها دق ناقوس الخطر، وهو ما يؤكد ان هذا الموضوع سيكون على رأس أولويات صباح الأحمد وهو أمير اليوم، بعد ان كان قد شكل لجنة وزارية في الشهر ذاته سميت (لجنة محاربة الفساد). يعتقد المراقبون ان هذا الاستحقاق سيكون من الاستحقاقات اللافتة التي ستواجه الكويت في عهدها الجديد، فالتقاريرالرسمية تشير إلى تفشي ظاهرة الرشوة في وزارات الدولة ومؤسساتها، وكذلك التكدس الوظيفي في الكثير من الوزارات من جانب، وارتفاع معدلات البطالة من جانب آخر وهو ما يعكس حقيقة وجود فساد اداري، وطغيان لمبدأ الواسطة والمحسوبية التي بدأت تنخر في الجسد الحكومي، مع ارتفاع واضح لاعداد الوافدين من خارج الكويت وقيامهم بأعمال في القطاع الحكومي أو الخاص يستطيع الكويتيون العاطلون عن العمل القيام بها، ما يعتبر خللاً خطيراً في ظل قلة عدد الشعب الكويتي مع ارتفاع موارد ودخول الدولة وهو ما يتطلب وقفة جادة من الجهات المعنية لاستدراك هذا الوضع غير الطبيعي. ويرافق ذلك ايضاً حديث عن فساد في العملية الانتخابية عبر شراء الأصوات وهي الظاهرة التي بدأ الكويتيون يتحدثون عنها علناً، في ظل حديث ايضاً عن تسخير المال السياسي لايصال بعض المرشحين إلى مجلس الأمة، وهو تحد آخر سيواجه الشيخ صباح لتنقية الديموقراطية الكويتية من كل الشوائب بعد الصورة الرائعة التي ظهرت بها خلال أزمة الحكم.
السياسة الخارجية
من غير المتوقع ان يطرأ أي تغيير على سياسة الكويت الخارجية في عهد الشيخ صباح إذا ما اخذ في الاعتبار انه كان اللاعب الرئيسي في رسم وتحديد ملامح تلك السياسة عندما عمل وزيراً للخارجية لأكثر من اربعين عاماً من عمره السياسي، لكن العمل من كرسي الوزارة لن يكون كالعمل من كرسي الامارة بكل تأكيد، إلا ان ذلك يبدو مستبعداً بالنظر إلى سياسة الكويت الخارجية خلال العقود الماضية. ويشكل الملف النووي لايران وكذلك الملف العراقي وكيفية التعامل معهما أبرز التحديات التي ستواجه الشيخ صباح الأحمد على صعيد ما وراء الحدود، في وقت تشير فيه التوقعات على ان تعامل الكويت مع ملف ايران سيكون وفق سياسة المنظومة الخليجية بالاعتماد على التهدئة وتفضيل خيار الحوار والقنوات الدبلوماسية بين ايران وواشنطن والترويكا الأوروبية، مع الدفع باتجاه استبعاد اللجوء إلى القوة لأن ذلك ليس في مصلحة استقرار المنطقة والعالم أجمع. أما على صعيد الوضع في العراق فإن السياسة الكويتية قد لا تكون بالضرورة متطابقة مع الموقف الخليجي تماماً نظراً لاستثناءات تغلف علاقة الكويت بالعراق عما سواها من الدول الخليجية، إذ تسعى الكويت إلى مد قنوات التواصل مع كافة القوى والأطراف العراقية في محاولة للتسامي على الجراح التي خلفها الغزو العراقي عام 1990، يأتي في اطارها حماس كويتي لتبني مجمل القضايا العراقية على رأسها اسقاط الديون العراقية كبادرة حسن نية تطلقها الكويت باتجاه جارتها الشمالية في محاولة لإنهاء حقبة من القطيعة واجواء من عدم الثقة سادت بين البلدين على مدى أكثر من 15 عاماً، وذلك لتركيز وصب الجهود والموارد المالية لبني البلاد التحتية وتنفيذ خطط التنمية التي توقفت بسبب اجواء التوتر في العقدين الماضيين.