بحث



الاثنين 20 صفر 1427هـ - 20 مارس 2006م - العدد 13783

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


أزمة سوق الأسهم.. وشفافية سليمان السليم!!

عبدالله القفاري
    لا أعتقد أن تلك الأيام التي عانى فيها سوق الأسهم من نزيف مستمر وقاس ستُمحى من ذاكرة السعوديين بسهولة، إنه درس قاس ومؤلم وفادح الكلفة. كل ما كتب حينها عن حال سوق الأسهم وما يحدث فيه من نزيف يومي.. هو لا يتعدى أن يكون بكائية على حال لم ينتظره أكثر الناس تشاؤماً.. ومنذ ضعف المؤشرات التي تستند للتحليل المالي الأساسي قبل أن يحلق المؤشر بكل شركاته المتعثرة والجديدة... كانت ثمة مخاوف حقيقية، لكن تلك المخاوف كانت تحتجب أمام الربح السريع والكسب غير المتخيل.. حتى شك الذين هم خارج اللعبة بعقولهم وانساق كثير منهم ليظفر ببعض المكاسب قبل نهاية الحفلة التي لم تكن نهايتها متوقعة في هذا الوقت فوقع كثيرون في مصيدة البورصة وبدأ الدرس الصعب والمكلف يلقى دروسه الشاقة.. أشك أن يكون هناك من تذوق طعم الربح السريع وغير المتوقع كان بمنجى عن النتائج الوخيمة التي حصدتها السوق خلال الثلاثة أسابيع الماضية... إلا في حالتين أما أن يكون من أولئك الذين يملكون حدساً خارقاً وقراءة ثاقبة وربما أيضاً معلومات دفعتهم للخروج أو ممانعة الدخول أصلاً.. أو أولئك الذين لا يملكون شيئاً يذكر يمكنهم من المشاركة في حفلة السوق.

لا أعتقد أن السؤال المهم لماذا حدث هذا، فلا شك لدي أن ما حدث هو رد فعل طبيعي لسوق بدأ يفقد المعايير الضابطة لأدائه والمعبرة عن نتائج شركاته.. ومنذ أن أخذت شركات صغيرة متعثرة وبعضها يكاد يفلس تعبث بالسوق دون أي قدرة على مقاومة جنون ارتفاعاتها.. بدأ العد التنازلي للساعة الصفرية التي يهوي بها السوق لكن المسؤولية لا تقع فقط على المواطنين الذين تذوقوا طعم الكسب وبدأوا يستعيدون أحلامهم الصغيرة أو الكبيرة.. وهم في غالبيتهم العظمى تحركهم ثقافة مشافهة ومجالس يومية بلغت فيها أخبار مكاسب السوق أن تسيل لعاب أي محجم عن المخاطرة.. توزيع المسؤولية على القبيلة من مضاربين ومستثمرين وهوامير وصناديق لن يكون سوى توزيع دم القتيل على أبناء قبيلة البورصة. والبورصة بطبيعتها تتحول إلى خطر على المجتمع والدولة والمال عندما تفقد قيمها كمؤشر للوضع الاقتصادي والمالي للشركات المنتجة لتصبح ميداناً كبيراً للمضاربة التي تتجاوز حد المغامرة المحسوبة اقتصادياً إلى حد المقامرة.. تاريخ البورصة في العالم شهد انهيارات كبيرة، منذ القرن الماضي وحتى يومنا هذا.. إلا أن تكرار الدرس لا يعني أن ثمة قدرة على سد الثغرات التي يمكن أن تهوي بالسوق.. وربما مرد هذا إلى جزء من طبيعة النظام الرأسمالي المخترق بما فيها الكسب السريع... لكن أن يتكرر هذا الدرس إلى درجة أن يفقد معها الاقتصاد الوطني قدرته على توظيف تلك الأموال المغامرة أو المقامرة في مشاريع حقيقية منتجة وتحمل عوامل النمو وتملك محفزات النجاح وتحد من شهوة قبيلة البورصة المغامرة هو الخطأ الكبير بعينه. هناك أموال تبخرت وسيولة رحلت وثقة فقدت... لكني أعتقد أيضاً أن ثمة ذاكرة جمعية قصيرة، راقبوا ما سيحدث خلال الأيام القليلة القادمة، فالدرس القاسي ربما لم يفت بعد في عضد قبيلة البورصة المقامرة.

من بين تلك المقالات التي أراها تستحق التعليق مقال للدكتور سليمان السليم المنشور في صحيفة الاقتصادية في يوم الاثنين الماضي (نحن نعاني من التلكؤ في طرح أسهم الدولة ومن نقص الشفافية). وهو مقال إدانة صريح يُلقى فيه اللوم على مؤسسات الدولة المالية، التي لم تدرك مخاطر تشكل الفقاعة منذ البداية والتي انفجرت في وجه الجميع، وظلت تسيطر على أسهم كثيرة لشركات وبنوك كبرى، قادرة فيما لو طرحت نسبة منها للاكتتاب العام على امتصاص السيولة في السوق وقادرة على حفظ مدخرات المواطنين وقادرة على تحقيق توازن بين العرض والطلب وقادرة على لجم تلك المعادلة القائمة على أموال كثيرة تطارد أسهما قليلة حد التضخم. وهو مقال يدين ضعف الشفافية الاقتصادية التي تعد بالتحرك تجاه التخصيص، ولكنها تتلكأ في التنفيذ ناهيك أنها ربما أحجمت دون أن تقدم للبيئة الاقتصادية أي مجال لفهم تلك الفجوة بين الوعود والإحجام.. والمقال يستعيد أيضا وزارة الدكاترة عام 1975م التي كانت تتحرك ضمن التوجه الذي يتكىء على تقاليد المملكة الراسخة في أن الدولة لا تدخل طرفاً في أعمال هي من صميم القطاع الخاص وهي تقاليد كما يقول لها أصولها الشرعية والاجتماعية.

المقال يستحق القراءة حتماً، ولو لم يأت الدكتور سليمان السليم بجديد فيما يتعلق على الأقل بالدعوة لطرح بعض استثمارات الدولة في بعض الشركات الكبرى كسابك أو سامبا أو الاتصالات للجمهور مما يخلق حالة من التوازن بين العرض والطلب يخفف إلى حد كبير من حدة المضاربات كما يفتح قنوات استثمار مأمونة أمام المواطنين، فتلك دعوات لم تتوقف منذ زمن ما قبل الوصول إلى أزمة السوق التي شهدناها الأيام الماضية، والمقال يستحق التقدير من منظور انحيازه للمواطن الذي يبحث عن وسائل أكثر أمناً وجدوى لمدخراته التي تعينه على تحسين وضعه ووضع أسرته، والمقال أيضاً دعوة لحق الرأي العام وبيئة قطاع الأعمال في مزيد من الشفافية التي لا يمكن خلق ظروف اقتصادية مشجعة ومواتية في حال غيابها. والمقال تقدر جرأته في إدانة واقع بل وفي تحميل المسؤولية عما يحدث في سوق المال لمن يجب أن يتحمل المسؤولية. إلا أن ثمة ملاحظات على مقال الدكتور سليمان السليم، أولها إننا لسنا بحاجة اليوم لاستدعاء ذاكرة تاريخية عن وزارة منتصف السبعينيات، ففي رأيي تلك الوزارة لها ظروفها التي شكلت فيها.. وربما أضعف المقال استدعاء مرحلة وكأنها شهادة يمكن اسقاطها على واقع مختلف اليوم... حتى لو كان الاستدعاء من باب التذكير بتوجه الدولة الاقتصادي حينها، فتلك المرحلة أيضاً كان لها سياسات أثبتت النتائج خطأها لسنا في حاجة لاستعادتها.. لكني أعتقد أننا نحتاج أن نثير بضعة تساؤلات حول أفضل الحلول الممكنة لاستيعاب المدخرات الوطنية أو السيولة التي صبت في سوق الأسهم خلال الشهور الماضية حتى تكاد تكون القناة الوحيدة للاستثمار... أعتقد أنه لا يجب أن نسلم تماماً بأن أفضل الحلول لمواجهة أزمة الاستثمار الآمن يقوم على معادلة أن تتخلى الدولة عن حصتها في كل قطاع منتج لصالح سوق رأسمالي حر.. ففي النتيجة الأخيرة هناك أيضاً معادلة أخرى ستعمل على الاستحواذ على أسهم القطاعات المنتجة وبالتدريج ومن أيدي المواطنين حتى لو وزعت عليهم بالتساوي وبالتالي عوائدها ستصب آجلاً أو عاجلاً في جيوب كبيرة.. وجيب الدولة الكبير إذا صبت فيه تلك العوائد ووجهت لخدمة المجتمع، ستكون على المدى البعيد أكثر حظاً في توفير قنوات ريعية تواجه أي ظروف استثنائية ربما أصابت قطاع النفط كما حدث خلال العقود الماضية التي عانت فيها ميزانية الدولة من عجز دائم.. أعتقد أن التفكير بأن الدولة هي مشروع اقتصاد حر بالمطلق هي فكرة يوتوبية وحالمة أحياناً - أزمة السوق أثبتت أن تدخل الدولة هو الذي حد من انهيار السوق - واستدعاء مفاهيم الاقتصاد الحر بالمطلق لا ينسجم مع بنية اقتصادية ذات طابع ريعي، مع التحفظ هنا بالطبع على قطاعات ما زالت عبئاً على الدولة لسوء إدارتها أو أنها تقع في ملكية مجموعات تناهض فكرة طرحها للاكتتاب العام. إن المسألة الأكثر أهمية هنا هي مسألة الرقابة على المال العام، وهي كفيلة برد حق الدولة في قطاعات منتجة وربحية لصالح مجموع بشري يتطلع إلى توفير ظروف أفضل بالحياة أكثر منه حالماً بالدخول في عالم الاستثمار بالبورصة. أعتقد ما نحتاجه هو الإبداع في صياغة الحلول لمواجهة أزمة استثمار إن جاز التعبير لا أن تكون ثمة حلول جاهزة.. ما نحتاجه حقاً بناء قطاعات منتجة تستوعب العمالة الفائضة وتحقق عوائد اقتصادية مجزية بناء على الميزة النسبية للمملكة.. والعقلية التي بنت سابك قادرة على أن تخلق كيانات لا تقل عنها شأناً. ما نحتاجة أيضاً أن نقاوم فكرة أن يستحوذ أفراد قليلون على 50٪ من أسهم الشركات الواعدة ويترك اثنا عشر مليون إنسان يتصارعون على البقية التي تتحول إلى فتات الفتات بعد توزيع حصصها على المكتتبين، كما حدث في شركة الصحراء للبتروكيماويات وغيرها. ما نحتاجه الحد من فكرة تحول شركات عائلية غير منتجة إلى شركات مساهمة تستحوذ العائلة على 70٪ من الأسهم وتطرح البقية للمواطنين حتى يصبح لكل مواطن نصف سهم مع دفع علاوة إصدار لجيب المؤسسين. الحل لن يكون فقط عبر تخلي الدولة فقط عن مورد مهم يمكنها من مواجهة استحقاقات تنمية ومتطلبات مجتمع.. إذا كان من الحق والواجب مقاومة شره القابضين على فكرة الاستحواذ على نصيب معتبر من أسهم بنوك أو شركات تملك الدولة فيها نصيباً، فالأولى أن تقاوم الملكية الفردية للأصول الرأسمالية التي تنمي عائد الثروة في جيوب القلة بينما البقية تتضور بضعة أسهم في قطاع واعد.

أعتقد أننا نعيش مرحلة يجب أن تطرح فيها كل تلك الأفكار على مائدة البحث وتناقش بوعي ومسؤولية، وبقدر ما أؤيد الدكتور سليمان السليم في أهمية الشفافية الاقتصادية وفي أهمية تواصل المسؤولين عن القطاع الاقتصادي مع المواطنين.. إلا أنني ربما اختلف معه حول مفهوم العدالة الاجتماعي.. التي لا أراها رد فعل لأزمة بورصة، ولا أراها حلاً جزئياً يطال ما تملكه الدولة دون أن يطال قطاع أعمال شره يتحول أحياناً إلى دولة داخل دولة.. وفي ذات الوقت علينا أن نتجاوز فكرة النظر إلى مفهوم المواطنة من زاوية القطاع الاقتصادي وحده عبر دعوات التواصل الجميل، إنه مفهوم أوسع يتكىء على فكرة خلق مؤسسات قادرة على تمثيله وعلى تقرير وتحمل أيضاً مسؤولية القرارات التي تصدرها أو تتبناها مؤسسات الدولة الاقتصادية.. وسواها.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية