بين حياة الإنسان وموته برزخ لا يلتقيان وبين فقره وحاجته عالم متناقضان فإما التسول أو التعفف ولكن تظل الصورة الأقرب إلى الواقع هي التسول فأسوار مقبرة العود تحكي ذلك الواقع المر الذي يحيط بشوارعها من كل جانب هناك أرصفة ألفت الأطفال والنساء القادمات من الأحياء القريبة فالتسول أصبح سمة ذلك المكان فالتشبث بالحياة يحتاج إلى إصرار والإصرار ينقلب مع الفاقة إلى إلحاح واضح يراه كل العابرين للشوارع.
ياللعجب المقبرة التي يهرب من وحشتها الأحياء ويخاف الاقتراب منها النساء، تجد أن هناك نساء!! استأنست بهن الأرصفة وافترشن أرضها بعدما تعودن على التجاهل ولم استغرب تلك الصور المحزنة فالجمعيات الخيرية تشاهدهن ولم تحرك ساكناً وروافد البر تمر بالقرب منهن ولم تسألهن يوماً (لماذا تمرن من هنا!!).
تسول النساء لم يعد ظاهرة منتشرة عند إشارات المرور، وعند أجهزة الصرافة والبنوك وأبواب المراكز التجارية حيث يتواجد الناس إنما أصبحت قضية وطنية تؤثر سلباً على صورة المرأة السعودية التي في حقيقة الأمر تخجل أن تمد يدها للناس وتموت قبل أن تتجرأ أن تقف أمام إشارة المرور في أوقات متأخرة من الليل،وليس كل متسولة لبست العباءة وهذه الحقيقة تؤكدها الإحصائيات الرسمية لمكافحة التسول التي أثبتت أن 62٪ من المتسولات هن أجنبيات قد افتقدن الإقامة النظامية،فلم يجدن أمامهن سوى التسول والتخفي برداء العباءة، وأن نسبة المتسولات السعوديات لا تشكل سوى 38٪ و تنحصر أماكن تسولهن داخل إحيائهن الفقيرة، وهذا هو المحك الأخطر الذي لابد أن ننتبه له فعندما يطول بهن تهميش المجتمع وتبتعد عنهن الجمعيات الخيرية فيتحول الهروب من الفقر إلى انحراف في السلوك هنا فقط سوف يكون العلاج أصعب من الجرح نفسه، قبل عدة أشهر كتبت تحقيقاً حول تسول النساء والأطفال بالقرب من مقبرة العود مدعماً بالصور التي تكشف ما نخاف منه في تلك الأحياء فالسيارات المشبوهة تتخطف المكان وتجوب تلك الشوارع لتتصيد النساء المتسولات وهن بالقرب من بيوتهن إما بغرض المعاكسات و(الترقيم) أو استغلال حاجتهن للمال وللانزلاق إلى مراتع الرذيلة فتزيد من ألم الحاجة ومرارة الفقر، فالمتسولات مسؤولية المجتمع وأمانة في يد أفراده في مساعدتهن في التغلب على الفقر وأنا متأكدة أن الأيادي الكريمة التي تغار على حرمة المرأة وتخاف على عفافها سوف تبادر بالخير....
nawal@alriyadh.com