بحث



الخميس 10 جمادى الآخرة 1427هـ - 6 يوليو 2006م - العدد 13891

عودة الى محليات

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


قديماً قالوا «صنعة أبوك، لا يغلبوك» لكنهم غلبونا..!
احياء «مشيخة المهن» بعد 50 عاماً هل هي «ديكور تراثي» أم محاولة للامساك بزمام الأمور من جديد..؟

«السقا زمان» حل مكانه الوايت حالياً
«السقا زمان» حل مكانه الوايت حالياً

تحقيق بقلم - علي خالد الغامدي / تصوير - محسن سالم
    في أقل من اسبوعين تابعت تصريحين صحفيين عن (رؤساء الطوائف المهنية، وهو المسمى الحديث لشيوخ المهنة) الذي تقرر اعتماده منذ سنوات حينما ظهرت رغبة لدى عدد من أبناء شيوخ المهنة لاحياء تراث آبائهم فتم تشجيع الجيل الثاني من أبناء شيوخ المهن على العودة للمشيخة لكن وفق ضوابط، وقواعد جديدة تخدم الطرفين: شيوخ المهن من ناحية، ومن سيستفيدون من عودتهم لتحسين، ومراقبة هذه المهن الحرفية (التي خرجت بالكامل من ايدي أبناء البلد ليمتهنها القادمون من خارج الحدود - كيفما اتفق - ولكنهم أصبحوا - سادتها - وتركوا لأبناء البلد أنوار النيون، واسماء المحلات ليشعروا انهم الكل في الكل)!..

التصريح الاول يشير إلى أن لدى أمانة جدة (19) مهنة تم حصرها، وان الباب مفتوح لاستقبال المزيد من المهن في اطار مشروع عودة مشيخة المهن، أو رؤساء المهن (كما هي الترتيبات لاحياء هذا المشروع)..

التصريح الثاني أشار إلى ان سجلات الأمانة تحوي (35) مهنة وتستعد لاستقبال المزيد.. وسواء كانت المهن - المسجلة - 19، أو 35، أو أكثر فإن المهم هوالشروع في احياء المهن، ومشيختها، أو رئاستها ليعرف الناس من هو رئيس هذه المهنة، أو تلك حتى لا تضيع حقوقهم في الهواء- كما هو واقع الآن - فإذا ارتكب مهندس، أو فني، أو عامل فهلوي خطأ فادحاً في اصلاح سيارة، أو صيانة ثلاجة، أو اقامة عمارة فانه لن يجد - من يوقفه عند حده - فتضيع الحقوق لأن كل المهن تقريباً بلا رقيب، أو حسيب ولأن كل المهن تقريباً شكلياً باسماء أبناء البلد، وعملياً بادارة الوافدين، وإذا حدثت اخطاء صغيرة، أو كبيرة، وتسببت في خسائر مالية لأبناء البلد لم يجدوا - جهة - يراجعونها، ويشكون اليها، ويستعيدون ولو بعض حقوقهم، وليس معنى ذلك ان كل العمالة - الفنية، والمهنية - ليست جيدة، ولكن القليل منها جيد، والكثير منها رديء، وهذا لا يخفى على أحد..؟

«مكة» سبقت الجميع

أمانة العاصمة المقدسة - سبقت الجميع - لاحياء مشيخة المهن - فأعلنت قبل اكثر من ثماني سنوات عن قبول طلبات الاشخاص الذين يريدون ترشيح انفسهم لمشيخة المهن بمسماها الجديد، وقد تناولت عملية الاحياء هذه باعتبارها تراثاً مهنياً، واجتماعياً قبل أن (تفلت) هذه المهن، وغيرها من (ايدينا) إلى الابد.

ومرت الشهور تلتها الشهور وفقدت الحصول على أي معلومة عن (مشيخة المهن) والجديد فيها، ومن هم الاشخاص الذين تقدموا للترشيح، وهل تم اعلان اسماء رؤساء المهن - دون أن نعرف - وما هي المهن التي تم اسنادها لهم، أو تكليفهم بها. كانت مجلة العاصمة هي التي نشرت الموضوع الخاص بالمهن، ورؤساء المهن، واختفت المجلة بعد أن تغير الأمين، وجاء أمين جديد، وفقدنا بالتالي - الاخبار الجديدة - عن مشيخة المهن، ودورها المتوقع في خدمة المجتمع!..

ويجوز أن تكون هناك معلومات جديدة لدى - أمانة العاصمة - حالياً، ومطلوب في هذه الحالة - أن تبوح بها - بعد ان عدنا لفتح ملف (مشيخة المهن) من جديد.

وان تتحرك (عربة المهن) من موقعها، ومكانها، وتظهر للعيان مرة اخرى في (ثوبها العصري) أو (ملابسها الحديثة).. ونرى أبناء البلد من جديد يقودون عربة المهن الفنية بمؤهلاتهم، وخبراتهم، وحرصهم على أن يكونوا على رأس كل مهنة، وكل ورشة، وكل محل، وكل مصنع صغير، أو كبير، وكل دكان صيانة، وان تزداد اعداد - أبناء البلد - إلى جوار الأيدي الفنية، والمهنية الوافدة يتعلمون، ويعلّمون، ويستفيدون، ويفيدون، وليس هناك ما يُعيب في هذه المهن، انما العيب في غياب أبناء البلد عن هذه المهن غياباً - شبه كامل - يقابله حضور في الشكل فقط وهو يتمثل في اللوحات التي تعلو جميع المحلات؟..

بداية انفراط عقد المشيخة

قديماً كان لكل مهنة (شيخ) يُشرف عليها، ويديرها، وينظم شؤونها، ويستقبل الراغبين في الالتحاق بها فلم يكن (يتسلل) لهذه المهن من هو (دخيل) عليها، وإذا حدث ذلك فرضاً فانه يتم ادخاله في (القائمة السوداء) بمعنى حرمانه مرة ثانية من العمل لانه خدع الشيخ، وحاول غشه..

كان هناك - على سبيل المثال - شيخ للسوق، وشيخ للحراج، وشيخ للقماشين، وشيخ للخياطين، وشيخ للذهب، وشيخ للجواهرجية، وشيخ للحلوانية، وشيخ للطباخين، وشيخ للصيادين، وشيخ للبحارة، وشيخ للفواكه، والخضروات، وشيخ للجزارين، وشيخ للقهوجية، وشيخ للبنائين وشيخ للنجارين، وشيخ للحدادين وغير ذلك من مشيخات المهن التي تتولى الاشراف على هذه المهن اشرافاً مباشراً - في الميدان، والموقع - وليس عن بُعد فلا يستطيع - أي غشيم، أو فهلوي، أو محتال - ان يقتحم مهنة ليس له بها صلة من بعيد، أو قريب فكانت الاخطاء غير موجودة، وان وجدت أخطاء كانت بسيطة، ويتم اصلاحها..!

وانفرط عقد كل هذه المهن، وغيرها مع اطلالة الطفرة، وكثرة الاعمال، والمهن، والمشروعات، وكذلك كثرة الايدي العاملة - الوافدة - وغير المؤهلة، والمدربة الا القليل، واحياناً اقل القليل، واحياناً عدم وجود اقل القليل فاختلط الحابل بالنابل، وضاع وسط الزحام - شيوخ المهنة - واحداً بعد الآخر، وساعد على ذلك - تجار التأشيرات - الذين يستقدمون عمالة (اي كلام) في سبيل ما يحصلون عليه من (مال، وجاه).. ولم يعد في امكان احد ان (يشكو) من الاخطاء الصغيرة، او الكبيرة التي يتعرض لها، والتي تسبب له خسائر مستمرة الى ان يصل الى عمالة اخرى تكون قادرة على اصلاح ما افسدته، وخربته العمالة السابقة، ونادراً ما يجد هذه العمالة فإذا وجدها تمسك بيديه، اسنانه بها..!

مندوب التدريب، ام مندوب الشرطة

لماذا تغيب مؤسسة التعليم الفني، والتدريب المهني عن لجنة احياء (مشيخة المهن) وهي المعنية مباشرة بكل المهن بينما يكون ضمن اعضاء اللجنة مندوب الشرطة...!

اللجنة الحالية المكلفة بالمشروع التراثي تضم حالياً، وكما نشر اعضاء من الامانة، والامارة، والشرطة، وتدرس اللجنة اضافة عضو من الغرفة التجارية التي لديها سجلات بالمهن القديمة، وسيكون من (المناسب، والضروري) ان تضم عضواً من التعليم الفني، والتدريب المهني نظراً لأن مؤسسة التعليم الفني، والتدريب المهني هي المعنية باعداد، وتخريج، وتأهيل الكفاءات، والكوادر الفنية، والمهنية السعودية، ليس الآن وانما منذ سنوات طويلة، وهي الآن تتحمل مسؤولية تحسين صورة السعوديين في مواقع الاعمال الفنية، والمهنية التي - غزاها - عدد كبير من الفنيين، والمهنيين من بلاد كثيرة، واستطاعوا الامساك بهذه المهن بالطول، والعرض، ونجحوا في ان يكونوا (اباطرة) فيها، واعلاماً يشار اليهم بالبنان...!

واضافة اسم مندوب مؤسسة التعليم الفني، والتدريب المهني الى اسماء اعضاء لجنة احياء (مشيخة المهن) ضرورة، وليس مجرد اضافة عادية فمؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني، يقع على عاتقها مهمة في غاية الصعوبة، وغاية المعاناة وهي تسليم (ابناء البلد) كل المهن، والاشراف عليها، وادارتها، ادارة كاملة..!

الانتخاب، والتعيين،

وسيطرة الوافدين

وتشير التعليمات في موضوع احياء شيوخ المهن، او رؤساء المهن الى ان تكون بطريق الانتخاب، وليس التعيين..

والمشكلة - التي قد لا يلحظها الكثير من المهتمين باحياء هذا التراث المهني القديم - هو ان سيطرة الوافدين تقريباً على كل المهن ستجعل مهمة الانتخاب تواجه - بعض الصعوبات - نظراً لأن من يقود، ويدير هذه المهن - هم الوافدون من كل الجنسيات (مع غياب شبه كامل لابناء البلد).. او غياب كامل لأبناء البلد عن هذه المهن..!

ولأن مشروع الانتخاب سيحمل اصوات (ابناء المهنة) فإن الانتخابات قد تتعرض لبعض الصعوبات (الشكلية، او الجوهرية) لكن ذلك لن يمنع قيامها اذا كان لدى - جهات الاختصاص - الغرفة، والتجارة، والصناعة، والتعليم الفني، والمهني (قوائم) كاملة، وموثقة، باسماء العمالة الوافدة التي تشتغل في كافة المهن، واذا كان لدى المتقدمين لمشيخة المهن، او رؤساء المهن الرغبة، والحرص على ترأس المهن القديمة (التي صارت حديثة) وتحتاج الى ان يكون المتقدم لها عارفاً بها، محيطاً بأسرارها وليس مجرد - ديكور - لها على الاقل كما كان الآباء يحيطون باسرار مهنهم التي يرأسونها، والتي بموجبها كانوا يسمحون للعمال بمزاولتها مزاولة مبنية على فهم، ومعرفة، ودراية، ثم خبرة، وليس فقط (اعطاء تصريح) او (شهادة مهنة) ولا يكون - العامل - يعرف في هذه المهنة شيئاً ( كما هو الحال الآن) حيث رزقنا بعمالة (تعلمت، وتدربت) فينا.

ديكور تراثي، ام عودة جادة

واذا كنا نريد من عملية احياء (مشيخة المهن) استعادة الذكريات القديمة، وتذكير الاجيال الجديدة بماضيها فهذا يعني اننا نبني ديكورات جديدة لتراثنا المهني القديم، وهو ما نفعله من وقت لآخر في مناسبات عديدة..

اما اذا كنا نريد اعادة ابناء المهن لمهنهم على اساس المثل الشعبي (صنعة ابوك، لا يغلبوك) على اعتبار ان الوافدين (غلبونا) ونحن استسلمنا، وعلينا ان نستعيد المبادرة من جديد فإن الامر يتطلب اجراءات كثيرة، وطويلة تعيدنا لجو هذه المهن مرة ثانية، فهذه مؤسسة التعليم الفني، والتدريب المهني هي (المؤهلة، والمسؤولة) منذ اربعة عقود تقريباً لهذه المهمة الصعبة، والسهلة: الصعبة نظراً لانصراف - ابناء البلد - معظمهم عن المهن، والاعمال الفنية الى اعمال اخرى يحيطها سياج من اجهزة التكييف، والهواء البارد، والمكاتب الهادئة، والسهلة لأن توفر التدريب داخلياً، وخارجياً على اعلى مستوى يتيح لأبناء البلد - الانخراط - في هذه وحولهم العمالة الوافدة الجيدة، والمدربة، والمؤهلة، وليست تلك التي تأتي الينا لتتعلم وتتدرب، وتجرب حظوظها على حسابنا، ونمنحها بعزوفنا، وكسلنا هذه الفرصة لأن تتعلم، وتتدرب، وتجرب حظها فتفشل، وتنجح، وتخسر، وتكسب، ونحن امامها نقف متفرجين (فلماذا عشرات المعاهد، والكليات، والمراكز، والمدارس) التي تقوم بتخريج - الاف الشباب - ليباشروا اعمالهم الفنية، والمهنية التي تحتاجها البلاد في كل المرافق) اذا كنا سنقف نشكو، ونتذمر احياناً، ونشيد، ونمتدح احياناً..!

وجمال (مشيخة المهن) انها تحكي جزءاً مهماً من تراثنا الشعبي الجميل حينما كانت الحياة بسيطة، وسهلة، وغير معقدة رغم شغف العيش احياناً، وقسوة الظروف احياناً اخرى، وان (مشيخة المهن) كانت تمثل ترابطاً، وتماسكاً، وتكاتفاً فقدناه عندما حلت علينا المتغيرات، والمخترعات، والمبتكرات الحديثة، وباعدت بيننا، واصبحنا - شبه غرباء -.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى محليات

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية