الأمن العربي في حوار ولي العهد مع قادة الكويت..
الخليج ليس واجهة بحرية تحيط به مدن حديثة، وليس نفطاً، وعوائد مالية، وحلم كل عامل التوجه إليه، وإنما هو خط نار ساخن على مدى عقود طويلة، عرفت الغزوات الأجنبية، وأهمية السيطرة على هذا الممر الحساس، وهو الآن يعيش حالة عدم استقرار، والخوف من تعطل تدفق النفط أو سهولة مروره هوهاجس عالمي، وهذه الحساسية في أمنه وأهميته، تجعله في مركز الحدث إن كان سلباً أو إيجاباً..
من هذه القضايا وغيرها نجد أن زيارة سمو ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام الأمير سلطان بن عبدالعزيز للكويت تنطلق من هذه الأهمية، ومثل هذه الزيارات لا تقوم على عوامل المجاملات لأن ما يربط البلدين أكبر من "البروتوكولات" التي تتميز بالرسميات، وهذه السمة الأخوية تضع هموم أمن الخليج واستقراره البند الأول في المباحثات..
فالعراق المنقسم على نفسه والمضطرب، والمتسبب في إشعال الحروب متداخل تاريخياً وأمنياً مع البلدان المجاورة له، وأي انزلاق خطر نحو حرب أهلية، أو تقسيمه، أو وضعه على لائحة التدويل، والتدخل في شؤونه من بلدان القوى الإقليمية المجاورة له، لا تعطيه المرونة والاستقلال في حل تناقضاته، وحتى الدول المحتلة التي اعتقدت أنها تحمل بناء الديموقراطية وتعايش المجتمع في إطار وطني، وجدت أنها فتحت منافذ كبرى للاحتقان المذهبي والقومي والقبلي، والتقاتل باسمها..
أما إيران فهي جار كبير لكن لا نعرف مدى إدراكها لأهمية أمن الدول دون حسابات خاطئة لا تقدر التفاعلات الإقليمية والدولية، ودون اعتبارات لدولة كبرى أو صغرى في كيان دقيق وحساس أمنياً واستراتيجياً ويهم العالم بأسره..
فعلى جانب التقنية النووية، وامتلاك إيران لها، يبقى ذلك حقاً مشروعاً إذا ماتمت (عقلنة) تلك الأهداف، لكن أن يصاحبها إنذارات وتهديدات بإشعال المنطقة كلها في حالة تعرضها لأي ضربة من أمريكا أو إسرائيل، فقرار الحرب لا تقرره دول المنطقة، وإنما المصالح الكبرى للدول التي لها مواقف لا تريد أن ترتهن لأي مؤثر على أمنها أو طموحاتها الخاصة، وقد كان صدام يأخذ بنفس التفكير، وإن كان العراق أقل من حجم إيران مساحة وتعداداً للسكان، إلا أنه غرق في أوهامه وانتهى ضحية فعله، وجرّ معه أمن العراق كله، وإيران حتى لو وازنت بين حقوقها، ورفض من يحاول عرقلة وصولها إلى تلك التقنيات، فخصومتها ليست مع دول الخليج، وإنما مع دولة عظمى، قد تكون سياساتها تعسفية تصل إلى حد التهور، وهو شأن أي قوة في العالم تنفرد بهذا الامتياز، إلا أن الدبلوماسية الواقعية قد تكون الأهم والأكثر قابلية لفتح الأبواب المغلقة، ولعل إيران تدرك أن دول الخليج ترفض أي عدوان عليها، ليس من باب الخوف، ولكن لأن أضرار الحروب غالباً ما تبيد عمل سنوات طويلة، وحتى الاحتجاج بوجود القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، فهذا الوجود قديم وقد كان باتفاق مع هذه الدول، وقبل أن تصل القيادات الإسلامية الإيرانية إلى الحكم..
زيارة سمو الأمير سلطان ستبحث هذه الملفات وغيرها، وقد رأينا أن الحدث العربي وحتى الإقليمي، بما في ذلك الوعود حول السلام مع إسرائيل، وقضايا لبنان، والسودان، والصومال، ومسائل الطاقة، والتنافس عليها، وأوضاع الاقتصاد العالمي، تؤثر فيها سياسة الدول الخليجية، ومن هنا يأتي بحث هذه الأمور في إطارها المهم والأخوي، جزءاً من حلقات لا تنقطع في استمرار الحوارات والمشاورات لأنها قيمة بذاتها، وعنوان لتعامل صحيح مع واقع مضطرب..