غالبًا يكتسب العمل الدرامي مكانته ونجاحه من خلال تكامل عناصر جمالية فنية عدة، وفي بعض الأحيان، ليس من الضرورة انتظار نهاية عرض العمل الدرامي؛ كي يمكننا رَصْد مقدار أهميته في الساحة الفنية المنتمي إليها، خاصةً إذا ما كان الحديث عن الأعمال غير المسبوقة ذات المواصفات العالمية.

في الـ9 من يوليو الماضي بدأتْ المنصة الرقمية "شاهد" عرض المسلسل السعودي "رشاش"، الذي وُصِفَ إنتاجه بأنه الأضخم بالنسبة لمنصة رقمية في الشرق الأوسط. وقد استطاع منذ البداية رسم معالم له في المشهد الدرامي السعودي، متمكنًا من تجاوز نمطية المعايير الفنية للإنتاج الدرامي المحلي - إن جاز قول ذلك -، ومُحطِّمًا يقينيات مرجعية لطالما ساقها معظم العاملين في صناعة الدراما المحلية؛ لسد الفجوات حينًا، وربما إن شئت للموضوعية حينًا آخر.

لم يُعرض مسلسل "رشاش" في شهر رمضان، وهو الموسم الدرامي الأهم لدى غالبية المنتجين، ومع ذلك فإن الكثيرين من رواد التواصل الاجتماعي يتحدثون عن المسلسل حديث المشاهد؛ لدرجة وصوله إلى أعلى مستويات الرواج (ترند) أكثر من مرة، إضافة إلى الحديث عنه خارج وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا ربما أول ما يجوز لنا رصده لصالح العمل؛ حيث استطاع - بعيدًا عن يقينية الموسم الدرامي - خلق حالة من التفاعل والجذب، بالإمكان الاستعانة بها مبدئيّا كمؤشرٍ للمشاهدات، ودليلٍ لم يكتمل بعدُ ضدَّ ما يُقال عن ربط الفشل أو النجاح بالموسم والتوقيت.

وبما أن مسلسل "رشاش" لا يُعرَض في الموسم الرمضاني؛ فإنه خرج في ثماني حلقات فقط، متحرّرًا ممَّا فُرِضَ على الأعمال الدرامية من شروط ومعايير أصبحت نمطًا مع مرور الوقت، منها على سبيل المثال لا الحصر: مسألة عدد حلقات العمل، والالتزام بالثلاثين حلقة على عدد أيام الموسم، ولو على حساب النص وجودته، وبكلّ تأكيدٍ إن التخفف من هذه اللازمة النمطية قد وفّر الكثير للاعتناء بجوانب أخرى مهمة في العمل، وتغليب النوعية على الكمية عمومًا.

ليس الموسم الرمضاني وحده هو مَا صاغ معايير الإنتاج، وبالتالي شكل العمل الدرامي ومضمونه، بل ثمة أبعاد وأسباب أخرى بحاجة إلى البحث والدراسة، لكن - وبنظرةٍ عجلى - نستطيع ملاحظة كيفية تَبنّي غالبية الأعمال السابقة لموانع غير ثابتة، أدَّت إلى تجنّب استلهام الكثير من الشخوص والقصص المحلية الواقعية ذات الأبعاد المتعددة والغنية بالإثارة.

غير أن مسلسل "رشاش"، ومهما كانت تلك الموانع، فقد أثبت عكسها، وقدَّم لنا شخصية محلية ملتصقة بالواقع، لها أبعادها الأمنية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها، بقالبٍ فنيّ مرتكز في الحبكة الدرامية وتنمية الشخوص والأحداث على التخيُّل أكثر من الوقائع الحقيقية المحدودة أصلاً، الأمر الذي مَنَحَ المسلسل - إلى حدّ كبير - مناعة مواجهة المحاكمة الاجتماعية الناتجة عن الخلط بين العمل الدرامي والعمل الوثائقي، ومن هذه المسألة تحديدًا، أظن بلا مبالغة أن مسلسل "رشاش" عمل مُؤَسِّس لما بعده.

ما بعد مسلسل "رشاش" ليس كما قبله، وإن كان هذا الأخير بحاجة لبعض المراجعات في بعض جوانبه؛ إلا أنه رغم الأخطاء التي رُصِدَتْ وقِيلَتْ، يبقى عملاً غير مسبوقٍ، ذا طابع احترافيّ، وبفكرةٍ خارجةٍ عن المألوف، إلى جانب اعتماده على طاقم تمثيل شبابي سعودي في تأدية الأدوار، وتقديم دراما الأكشن والحركة، وهو اللون الدرامي غير المعهود في الساحة الفنية السعودية، إن لم يكن الخليجية عامة.

لقد نجح مسلسل "رشاش" إلى حد ما في جوانب عدة حتى الآن، وهو مؤهّل ومرشّح لنجاح أكبر من ذلك، هذا بالوقت الذي تواجه فيه الدراما السعودية حاليًا تحديات كبرى في مواكبة سقف المشاهد وذائقته، وانتزاعه من حضن الأعمال والمنصات العالمية، لذلك من الممكن القول عن مسلسل "رشاش"، مقارنةً بمعظم الأعمال السابقة في مسيرة الدراما السعودية، ولأسباب أخرى عديدة: إنه يرتقي لأن يكون انطلاقة أخرى جديدة للدراما السعودية، في ثوبها الجديد، المنسجم مع اتساع الوعي الفني للمشاهد ومتطلبات السوق الراهنة.

أحمد الجميد