يقال إن المسرحي الأميركي (أروين شو) ألّف مسرحية ثورة الموتى تحت وطأة سؤال: ماذا سيحدث لو قام القتلى من الجنود واعترضوا على استمرار المجزرة؟

حين سألت إبراهيم الحارثي عما دفعه نحو «نعش»، أجابني بالسؤال: كلهم يبكي يا صديقي، فمن سرق المصحف؟!

استهلالاً علينا أن نقرر أن الحوارات المنطلقة من الغياب والموت وتحويل الموت إلى نص قابل للتداول هو جهد متجاوز و(بروليتاريا فنية) تنطوي على مشقة لأنها رحلة تتطلب تحويل المجهول إلى معلوم، والمسكوت عنه إلى معلن، وللوصول لتلك الغاية كان لا بد من خلق شخوص لها ذوات منقسمة ومتشظية مثل مرآة، لا يسمح لها بالانهزام، بل هي شخوص تتحدي الوجود وتعلن المقاومة جمالياً، حتى في تلك اللحظات التي يستحيل فيها الموت إلى سراب وربما تكون تلك اللحظات هي الدهشة.

هذه المناخات هي ما أعطى للنص حيوية داخلية في متن الشكل حققت له انفتاحا وتشكلا من جديد في وعي المتلقي وكأن النص، أمنية لأنها تحقق لنا لحظة تواصل مع عالم متخيل!

لم يعتمد الكاتب في نصه مبدأ التقسيم المتعارف عليه (مشاهد ولوحات) ولا يختم المشاهد بالإظلام، بل يتجه لما يمكن تسميته (الوقفات الوصفية) التي قطّعت النص إلى أجزاء، أولها يبدأ بصوت انفجار، وينتهي بحوارية بين الممثلين يطلب في نهايتها ممثل (5) من الممثل (6) استطلاع الأمر:(استطلع الأمر وانظر ما الذي حصل بالضبط).

ممثل (6) يبدأ بالخروج من ويتبعه بقية الممثلين تحت مؤثر مناسب. هنا ينتهي المشهد الأول ويبدأ في المشهد الثاني بشكل آلي في أذهاننا، تتكرر هذه الثيمة على امتداد النص لتشكل هذه الوقفات الفواصل بين المشاهد.

منذ المشهدية الأولى يعلن نص (نعش) أن هذا العنوان قد لا يعني النعش ذاته بقدر ما يحيل إلى تلك التوابيت التي نحملها فوق رؤوسنا ونضع أنفسنا فيها ثم لا نفتأ نتشبث بها حتى حين تلوح فرصة الانعتاق منها نظل نواصل الحرص على أن نظل أسرى لها بدلالة الجملة الافتتاحية التي شكلت انتباهة أولى (مناصفة مع الخوف) ثم الانتباهة التالية (على قدر حلم قصير مدوا لحافهم) وانتهاءً بالمقولة الشاعرية (يغسلون ملامحهم منه كل صباح) لتأتي مشهدية دخول الممثلين وهم يحملون توابيت مؤكدة رمزية التابوت وتمثيله لأفكار الخوف والرعب والتردد التي نعيشها حتى نعتادها ونخاف التمرد عليها.

في (نعش) يتحول الصوت دليل إدانة ومصدرا للرعب حين صعوده، ويظل الحفاظ على الصمت منجاة، كما يجيء على لسان الممثل (2): (اخفضوا أصواتكم، أخشى أن يقطع أحدهم رأس صوت)، وكذلك في قول ممثل (2) السراب هو صوتي الذي ألقوا القبض عليه.

ويجيء الحفاظ على الكفن غاية رغم أن الكفن - حتى وإن تدثر البياض - يظل له فعل القيد والتكبيل.

فممثل (4) متشبثاً بقيوده حين يقول: أخشى أن أخرج فيتسخ كفني، من سيغسلني ويضع كل هذه العطور فوق جسدي؟.

الحوارات السردية الثرية والأخذ والعطاء بين الشخصيات يقوده ممثل (1) الذي لعب أدواراً متناقضة، وقاد ذواتاً تعاني الاغتراب، لكن تعددها أبعد الاغتراب بعيداً، ليكون الاندماج الاجتماعي متحققا في نهاية النص.

يهرع النص إلى بنية تمييز المستوى الصوتي ونلمس فيه طغياناً إيقاعياً عالياً فالحوارات عامرة بالتطلع للحياةً، مليئة بالرغبة، تعاني التردد، مسكونة بالأمنيات، وتتجرع الحسرات ومسكونة بالأمل المريض.

ممثل (7): هل جاء أحد ليدفننا؟

المجموعة: لا

ممثل (7): تأخروا كثيراً.

المجموعة: يحكمنا الانتظار، يحكمنا الأمل، (في القريب سيدفننا أحدهم).

ممثل (4) كنت أتمنى أن أحضر مراسم دفني!

ممثل (3): تحقق مبتغاك الآن، ها أنت ستدفن نفسك لتموت مرتين؟.

وشخصيات (نعش) تجيد الرثاء وتندب حالها ببراعة،

ممثل (5): (لم أكن أتوقع أن أموت ليدفنني ميت مثلي)

يفتح (نعش) فضاءً كنائياً بهيجاً مليئاً بالدفء والتهوين من شأن الموت فهو - أي الموت - يخاف من الصوت وجبان في مواجهة الحياة:

ممثل (5): كل الموت الذي أحاط بقريتنا جعل أصواتنا أكثر قوة، يخاف الموت من الصوت.

ممثل (4): (نعم يخاف، الموت طفل صغير في مواجهة الحياة).

وحوارات (نعش) تخلق حالة من الإحساس بانعدام مرور الزمن بانتظار قادم يتمثل في من يقوم بدفن الشخوص.

ممثل (7): هل جاء أحد ما ليدفننا؟!

المجموعة : لا

ممثل (7): تأخروا كثيراً

المجموعة يحكمنا الانتظار، يحكمنا الأمل، يبدو بأنه لن بدفننا أحدهم.

والحوارات ترسم حركة الواقع الذي يجمع الحقيقة بالوهم في بنية سردية تقوم على التناقض والسخرية وتسريب مشاعر الملل.

ممثل (5): أستغرب أن تكون بيوتنا نعشاً، أصبح النعش هو بيتنا الآن (بخاطب ممثل (1): هييييه.. هل كان بيتك نعشاً؟

ممثل (1): يبدي تذمره ينسحب لمنزله يغني.

ممثل (6): يخرج إلى خارج نعشه فعلاً هذه المنطقة أصبحت قرية الموتى.

يضج النص بوصف الشخوص لحالهم وتأملاتهم لواقعهم وتبرمهم منه وتوقهم لتغييره وخوفهم من التغيير وحميمية التذكر (يحول الممثلون النعوش طاولة) ويتحلقون حول بعضهم ليقتسموا رغيف الحكاية فيسرد كل ممثل حكاية موته ولحظات النهاية لتشكل هذه الرغائب المتضادة واللحظات المرتبكة نواة للتنامي الدرامي وتصاعد الأحداث، وتحفل الحوارات بحكمة الشخوص ووعيهم المختلف وشاعرية العبارة.

ممثل (1): (الذين ماتوا نجوا من الحياة بأعجوبة).

ممثل (6): (فقدنا أرواحنا في زجاجة أجسادنا).

وجاء النص بشكل عام بطاقة عالية وكبيرة في صناعة أسلوبية خاصة من خلال شحنه بمختارات من نصوص محمد خضر الشعرية وانتخاب نصوص من أشعار محمود درويش كرّست صور النص ليصل بنا حد الإشباع والهروب من المناخ السردي والتحليق في فضاء النثر الشعري حيث الضربات الشعرية التي ضمنها الحوارات تكاد تكون هي الزي المزركش الذي زين النص بتنويعات أسلوبية عالية الصوت.

تنتهي الحكاية بتقريرية متوقعة حين عاد الممتلئون بالموت إلى الحياة بعد أن يكتشفوا أنهم يستحقون فرصة حياة ثانية، وأن ما حدث كان موتاً خفيفاً كانوا يغسلون ملامحهم منه كل صباح.

إبراهيم الحارثي
مشهد من مسرحية «نعش»