يتكون الإنسان من ذات وجسد، وبينهما من الخصام والاتفاق ما يصعب حصره، بل يستحيل! ذات الإنسان تحيل إلى مجموعة عمليات معقدة تؤدي إلى نتيجة واحدة، وهذه النتيجة هي ثمرة تصور العالم والقيم التي تحكم هذا التصور، وتتشكل وفق هذه النتيجة مجموعة من الأفعال والأقوال التي تُنفذ عبر الجسد، وما سبق؛ هو الرابط بين الوعي واللغة والجسد! ألست تشعر بصراع داخلي لا تعرف أصله؟ ألست ترى حجم المعاناة بسبب هذا الصراع؟ ثم ألست قد تعجبت من قولي “ترى حجم المعاناة” إذ كيف للمعاناة أن تكون حسية فتُرى؟ لا أظنك تنبهت لهذا، وسبب ذلك أن إدراكك غارق في فضاء ذهني لم يُقطع بِعلة فيزيائية، فقمت -أنا- بقطعها ونبهتك!، وهذه هي علاقة الوعي واللغة والجسد بالفيزياء! قام ثيموني كيلر بتجربة مختبرية على مجموعة من طلاب علم النفس، فألزمهم بحفظ مجموعة من العناصر الكيميائية -وهي أصعب من صعود جبل على طلاب العلوم الإنسانية- وقد صور أدمغتهم قبل حفظهم، ثم صورها بعد حفظهم، فوجد أن بُنية أدمغتهم قد اختلفت بسبب المعلومات الجديدة، وخرج بنتيجة مفادها؛ المدخلات الجديدة القادمة من فضاء ذهني مغاير لما يعرفه الدماغ، ستغير من بنية الدماغ ونواتجه، فينتج عن ذلك إنسان جديد، إنسان له تفاعلات داخلية وخارجية تُنبي عن حياة مختلفة عن سابقتها، وهذا سيجعل صاحبها في مواجهة ذاكرته الممتلئة بكثير من التصورات والدلالات التي لم تعد صالحة للاستعمال، وكل هذا سيقابل بأنماط تعامل مختلفة منه لغيره، ومن غيره له، وتبدأ رحلة التعرف على الحياة الجديدة مصحوبة بكثير من الإشكالات والتحديات العسيرة، وهذا ما سيشكل حالة نفسية مغايرة تبدو غريبة الأطباع آذنةً بحقائق مختلفة لم تكن يومًا إلا مجموعة من الموبقات، لكن؛ ماعلاقة هذا بالصحة النفسية؟ لعلي أتحدث عن ذلك في المقالة القادمة.