حتى نتعرف على موقف القرآن الكريم من الشعر والشعراء فلا بد من حصر الآيات التي تطرق إليها القرآن عن الشعر والشعراء. لقد ورد ذكر الشعر في القرآن لأول مرة في سورة ياسين في قوله تعالى: «وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ»، فتتضح في هذه الآية الكريمة مهمة الرسول عليه الصلاة والسلام بأن الله بعثه مبشرًا ومنذرًا من خلال معجزته بآيات بينات في القرآن الكريم، وقد تعجّب عليه الصلاة والسلام من صدود الكافرين وإعراضهم عن القرآن والإيمان بما جاء به لاحتجاجهم بأنه شعر، كما يبين سبحانه وتعالى في هذه الآيه أيضاً أنه لا ينبغي لمحمد عليه الصلاة والسلام أن يتعلم الشعر حتى يوقن الكافرون أن لا صلة بين ما يوحَى لرسوله وبين الشعر. والشعر كما لاحظه المفسرون لا يخلو من محسنات لفظية وزخارف لغوية وأهمها الوزن والقافيه يراد بها إثارة الاستحسان والطرب والإعجاب. والقرآن بالطبع تنزَّه عن ذلك كله حيث لا يجري على نسق واحد كأوزان الشعر بل له فواصل لا تلتزم بالقوافي يراد بها التأثير في النفس بالتذكير والتنبيه، فهو بيان وفرقان وبلاغ ورسالة يميز بين الحق والباطل وذِكْرٌ يوقظ الأفئدة وينبه الجوارح وليس بغناء يُترنم به أو يقصد به المبالغة والادعاء والإثارة. ونستنتج من ذلك أن القرآن الكريم لا يَحطُّ من مكانة الشعر أو يُنزل من قيمته بل يفرّق بينه وبين كلام الله وتوضيح اللبس الذي يقع فيه الكفار لما يحمله من سحر وبلاغة وبيان. فكلمة «شعر» في القرآن الكريم لم ترد مرة أخرى بل وردت كلمة شاعر في قوله تعالى: «وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ»، وذلك لتبيان تصور المشركين ومزاعمهم، وفي سورة الأنبياء وردت كلمة شاعر في قوله تعالى «بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ». وبعدما تغير وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوي جانبه وضعف جانب الكفار وردت كلمة شاعر في قوله تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ». وفي ذلك إشارة لما رُوي عن الوليد بن المغيرة حين سمع من رسوال الله صلى الله عليه وسلم سورة السجدة خرج من عنده وهو يقول: «سمعت من محمد كلامًا ليس من كلام الإنس ولا من كلام الجن»، وقد رُدت تلك المزاعم في سورة الحاقه، وفي آخر آية وردت كلمة شاعر في مكة توضح للكفار مدى خلطهم بين الشعر والسحر والكهنوت وبأنه مرتبط بغيبيات وقوى سحرية خارقه للعادة، وتأكيدًا لهم في قوله تعالى في سورة الحاقه: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ، تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ». وقد انتهت تصورات الكافرين ودخل كثير منهم للإسلام فوقف الشعراء يدافعون عن الإسلام بالكلمه كما دافعوا بالسيف حتى عُرف في صدر الإسلام نوعان من الشعراء: فمنهم أصحاب الضلالة والكذب والنفاق ومنهم الشعراء المسلمون الذين كرسوا جهودهم وجندوا مواهبهم للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولتوضيح اللبس لمن يشكك ويكره الشعر استناداً للآية الكريمة في سورة الشعراء: «وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ». ولمن يحتج بها دون أدنى معرفة أو البحث عن تفسيرها بسوء تأويلها فالمقصود بها شعراء المشركين الذين تناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء ومسوه بالأذى أما المؤمنون فقد استثناهم الله سبحانه وتعالى وشدّد على هذا الاستثناء بقوله تبارك وتعالى في الآية المذكورة سابقاً: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»، وإلا بماذا نفسر بأن هنالك شعراء من الأنصار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سخّروا الكلمه في الشعر لمدح رسول الله للإشادة به والانتصار له والدفاع عنه مثل حسان بن ثابت وكعب مالك وعبدالله بن رواحة وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هؤلاء النفر أشد على قريش من نضح النبل)، ومنهم أيضاً الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن التابعين الإمام الشافعي. وقد بارك عليه الصلاة والسلام استعداد كل من يدافع عن الإسلام ودعا الشعراء إلى ذكر مواطن الضعف في خصوم الدعوة حتى يشددوا عليهم الهجاء موضحًا أثره بقوله لرائد الشعر الإسلامي حسان بن ثابت: «أهجهم -يعني قريشاً- فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام». ومن أهمية الشعر لدى كفار قريش أنهم كانوا يرهبونه ويجزعون منه بعد إسلامهم لأنه كان يعيّرهم بكفرهم ليصبح مذَّمة وقدحًا لهم. إذن الشعر في الإسلام رسالة من الشاعر والتزام منه في الحرص على الصدق والأمانة وذكر معاني الخير بما يخدم المبادئ والأهداف.

ومن المعروف أن نبي الإسلام لم يكن شاعرًا بمنطوق القرآن، بيد أنه عليه الصلاة والسلام كان مغرماً بالشعر، حتى إنه جعل لحسان منبرًا في أقدس مكان عند المسلمين، أي المسجد، وأهدى كعب بن زهير بردة فسميت قصيدته «البردة»، وكم سَـمـَّط عليها ونسج على منوالها فطاحل الشعراء عبر الزمن. ويقول المُسلمُون إن القرآن ذو بلاغة خاطب العرب بها، ولغته راقية فصيحة، فلا عجب إذن والأمر ليس بجديد أن يفتخر المُسلم بالقرآن أمام غير المُؤمنين به، إذا عرفنا أن الأهم عند المُسلمين هو ميزة القرآن كلغة وسجع وشعر الذي يوجه القلوب والعقول إلى بدائع الكون الإلهية وخفايا النفس البشرية.

أنزل الله سبحانه وتعالى في القرآن سورة كاملة هي سورة الشعراء، وهذه السورة من عجائبها أنها بدأت بالحروف المقطعية (طسم)، وهذا إشارة إلى أن القرآن الكريم معجز في لفظه وبلاغته، ولهذا يقول كثير من الراصدين للتراث الإسلامي: إنه في عصر صدر الإسلام تأخر الشعر قليلاً، وهذا في تأويلهم: أن تأخره يعزى إلى اندهاش البلغاء والفصحاء وانبهارهم بالقرآن الكريم، ونجد مثل لبيد بن ربيعة وغيره الذين كانوا يقولون إنهم استغنوا بالقرآن عن الشعر، وإن أحدهم لما طلب منه شعر أخرج سورة البقرة وقال: «الله أغناني بمثل هذا»، وبالطبع لم يأتِ القرآن ليلغي الشعر، لكن إعجاز القرآن وبلاغته التي هي في الذروة العليا جعلت كثيرًا من الشعراء يتقاصرون عن شعرهم ويدركون أنهم محجوجون مخصومون، فالسورة بدأت بهذا المعنى، وختمت بقول الله سبحانه وتعالي: «وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ»، وهذا في الواقع حكم على أتباع الشعراء، بأن الشعراء يتبعهم الغاوون، ثم قال الله سبحانه وتعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ» وهنا نلاحظ أولاً أن الله سبحانه وتعالى بدأ بذكر الغواية أولا، لماذا؟ لأنهم «فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ». إذن فالعيب ليس لذات الشعر، وإنما العيب لمضمون الشعر إذا كان رديئًا وممجوجًا ونابيًا وخارجًا عن العُرف والمألوف، وأيضاً: نلاحظ أن الختام في الآية هو قوله تبارك وتعالى: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ».

نخلص من هذا أن ذم الشعر ليس للشعر ذاته وإنما لحالات خاصة يتقمصها بعض الشعراء يخرجون بها عن دائرة العرف والرصانة والسلوك السوي، وبالطبع ما من إنسان إلا وهو يتذوق الشعر خصوصاً العرب، حتى أن ابن أبي دؤاد يقول: ما من عربي إلا ويقول الشعر في مناسبات معينة حتى لو لم يكن شاعرًا من الشعراء المتألقين المرموقين، فالنقد والعيب هنا هو لفئة من الشعراء، يقولون ما لا يفعلون، ويهيمون في كل وادٍ، ويكون همهم هو المتاجرة بالكلمة، وحشد الأتباع، والتأثير على الغير، حتى أنهم قد يقلبون الحق باطلاً والباطل حقًا والحسن قبيحاً والقبيح حسنًا، وقد يذمون الإنسان بما ليس فيه أو يمتدحون إنسانًا بما هو ليس جديرًا به وأهلاً له، ونجد في شعر المتنبي أحياناً وهو سيد شعراء العرب مثالاً لذلك فكثيراً ما يأتي إلى بعض الملوك ممتدحاً، فإذا خاب مسعاه ولم يحصل منه على مراده ومبتغاه رجع ذامًا له متحاملاً عليه، كما في قصيدته في سيف الدولة: (واحر قلباه ممن قلبه شبم ** ومن بجسمي وحالي عنده سقم) إلى آخر القصيدة التي كان يظهر فيها نوعاً من العتب بشكل أو بآخر لأنه لم يحصل على مطلبه وبغيته، سواء أكان هذا المطلب مالاً أم إمارة أم أي مصلحة ما من المصالح، فالشاعر هنا قد يقلب الموازين وينفي الأعراف، وفي حالة أخرى هي ما يعرف عن بعض القبائل العربية باسم «أنف الناقة» مما جعل الناس يأنفون من هذا الاسم بل ويعيرونهم به، فانتشلهم شاعر من هذه الوهدة وأنقذهم منها بقوله: (قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ** ومن يساوِ بأنف الناقة الذنبا)، فصاروا بعد هذا البيت من الشعر يفتخرون بهذا الاسم ويتباهون به بين القبائل، لذا فعلى نفس المنوال قد يطيح الشاعر بقبيلة أو أمة أو شعب أو يرفع من قدرها ومكانتها بمثل هذه الأبيات الشعرية التي لا تكلف شيئًا في حقيقة الأمر.

أخيرًا، الشعر هو لسان ولغة وإعلام، فنحن إذا انتقدنا بعضاً من أغراض الشعر فلا ننتقدها كشعر، وإنما ننتقد المضامين التي تتعلق مثلاً بالتضليل والخداع والإسفاف والاستخفاف بعقول الناس ومعتقداتهم ومشاربهم، وهذا -والله أعلم- هو المقصود في الآية الكريمة التي استثنى فيها عز وجل تلك الفئة المشار إليها في الآية الكريمة: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ».

*جامعة الملك سعود