صدر مؤخراً كتاب «المجتمع والسياسة» للدكتور حادي بن براك العنزي، وقد جاء الكتاب في (278) صفحة من الحجم المتوسط حاول خلالها المؤلف وبأسلوبٍ واضحٍ ومبسط أن يتجاوز حساسيتنا المجتمعية والقيود السياسية التي تفرضها بعض الأنظمة، فقد تناول وبعمق المجتمعات الإنسانية والظواهر السياسية.

والكتاب بصفة عامة أقرب إلى الدراسة العلمية من الاجتهادات الفكرية؛ إلا أن خبرة المؤلف الأكاديمية ومشاركاته العلمية والعملية في مجالات علم الاجتماع العام والسياسة تفرض هذا الكتاب؛ ليكون مرجعاً أساسياً، لا غنى عنه؛ لصانعي القرار والمؤثرين، وكذلك المختصين والأكاديميين وطلبة العلوم الاجتماعية والسياسية في الجامعات العربية بما تناوله من موضوعات شاملة تنسجم مع مضمون العلاقة بين المجتمعات والعمل السياسي بصفة عامة، حيث جاء الكتاب في ثلاثة أبواب رئيسة، هي: مقاربات علمية حول المجتمع والسياسة، والمنهجية والاتجاهات النظرية عبر العصور وحتى وقتنا الحاضر، بالإضافة إلى القضايا المعاصرة للمجتمع السياسي، وذلك ضمن عشرة فصول تناولت المجتمع والسياسة من مختلف الجوانب.

وقد بدأ المؤلف كتابه بالتساؤل عن طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة، وأيهما يؤثر أكثر على الآخر، مشيراً إلى أن هذا السؤال يغلب عليه طابع النظرية الصراعية أكثر من الصفة الوظيفية أو الرمزية، حيث يرى البعض أن الغلبة للسياسة -إذا عرّفها على أنها الدولة- على اعتبار أن الدولة وحدة التحليل الرئيسة في تناول النُظم السياسية، فهي القوة العليا الناتجة من المجتمع والمفروضة عليه؛ لذا تضع نفسها فوق المجتمع، فهي جاءت تجسيداً للإرادة الجماعية بهدف تحقيق الصالح العام، وفي المقابل هناك من يأخذ بقدرة وأولوية المجتمع، فهو سابق للنظام السياسي؛ بل وللدولة التي ماهي إلا تمثيلٍ للمجتمع.

وأكد المؤلف على أن الجواب الشامل لا يكون في علم السياسة منفرداً، أو حتى في علم الاجتماع منفرداً أيضاً، وإنما يكمن في جوهري هذين العلمين معاً؛ مما يتطلب -حسب رأي المؤلف- محاولة إيجاد ثلاثة أمور، هي: عزل كل ظاهرة عن الأخرى، ثم دراسة العلاقة بينهما، فإيجاد الأثر المتبادل لكل منهما على الآخر. وقال: «إن ذلك هو الجوهر الحقيقي لعلم الاجتماع السياسي الذي تصارع عليه علماء الاجتماع وعلماء السياسة، إذ يؤكد كل منهم أحقيته بهذا العلم، ويقدم الأدلة الخاصة به على أنه فرع منه». كما أكد المؤلف على أن علم الاجتماع السياسي ورغم حداثة تسميته، وقدم مادته العلمية؛ إلا أنه يفرض نفسه كعلم مستقل يدرس موضوعاً محدداً هو المجتمع الإنساني، ليسهم في حل التداخل بين ماله صفة اجتماعية، وما يأخذ الشكل السياسي.

ومن هذا المنطلق قدم الدكتور حادي العنزي الإجابة في دراسةٍ نظرية ركز مناقشاتها على المجتمع والسياسة معتمداً في ذلك على المنهج الاستقرائي الاستنباطي بهدف الوصول علمياً إلى المضامين الحقيقية لعلم الاجتماع السياسي، بعد أن جزء الكتاب إلى ثلاثة أبواب، أو ثلاث أسئلة كبرى، تدور حول العلاقة بين علمي السياسة والاجتماع، وكذلك المنهجية العلمية والاتجاهات النظرية، بالإضافة إلى القضايا المعاصرة للمجتمع والسياسية، وتفرعت هذه الأبواب أو الأسئلة الكبرى إلى أسئلةٍ فرعية، جاءت الإجابة عليها في عشرة فصولٍ بحثية.

فقد جاء الفصل الأول، كمدخلٍ إلى علم السياسة وعلاقته بعلم الاجتماع العام، وتناول المعرفة الإنسانية والمعرفة السياسية، والتعريف بعلم السياسة، وكذلك الاتجاهات في علم السياسة، والمجتمع والفكر السياسي، بالإضافة إلى عناصر المجتمع السياسي، وارتباط علم السياسة بعلم الاجتماع.

أما الفصل الثاني، فتطرق إلى ماهية علم الاجتماع السياسي من حيث التعريف بعلم الاجتماع السياسي، وأهمية الدراسة الاجتماعية للظواهر السياسية، ونشأة وتطور علم الاجتماع السياسي، وكذلك مجالات وأهداف علم الاجتماع السياسي.

وناقش الفصل الثالث، منهجية علم الاجتماع السياسي من حيث مناهج البحث في علم الاجتماع السياسي، والمشكلات المنهجية والدراسية التي تواجه علم الاجتماع السياسي.

وتناول الفصل الرابع الاتجاهات النظرية لدراسة علم الاجتماع السياسي في العصور القديمة والحديثة والمعاصرة.

أما الفصل الخامس فقد تم تحديده لتكوّين الإنسان السياسي، وشمل: النظام السياسي، والتنشئة السياسية، والثقافة السياسية، والتنمية السياسية.

وتطرق الفصل السادس إلى الدولة والسلطة السياسية والقوة، فيما ناقش الفصل السابع، الصفوة السياسية، والقيادة، وكذلك المواطنة.

أما الفصل الثامن فقد تناول الأيديولوجيا والديمقراطية والبيروقراطية، فيما خصص الفصل التاسع للأحزاب السياسية، وجماعات الضغط، والرأي العام، وناقش الفصل العاشر الفساد السياسي والعنف السياسي والثورة.

الكتاب بصفة عامة سلط الضوء من جديد على العلاقات الحديثة بين المجتمعات وسياسات الدول، كما قدم مقاربات علمية وقضايا سياسية معاصرة، بدءاً من تكوين الإنسان السياسي ووصولاً إلى الآثار التي تتركها السياسية على الأفراد والمجتمعات من خلال التركيز على مناقشة الموضوعات الاجتماعية السياسية التي فرضتها تداعيات العولمة، وأدوات الثورة التقنية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وأصبحت هاجس الدول النامية في سبيل المحافظة على مواردها البشرية والمالية، وهذا ما زاد من التميز في المحتوى العلمي للكتاب، خاصة أن المؤلفات والمختصين العرب لم يسبق لأحدٍ منهم أن تطرق لمثل هذه الموضوعات مجتمعة وبجرأة الطرح العلمي الذي جمعه الكتاب وقدمه المؤلف بعباراتٍ بسيطة ذات عمق موضوعيٍ هادف دُمجت فيه المادة العلمية بالأسلوب المشوق والواضح.

الكتاب إضافة ثرية للمكتبات العربية بصفة عامة، وللمخزون العلمي في مجالي العلوم الاجتماعية والإنسانية بصفة خاصة.