الكاتب والشاعر العذب أحمد السّعد.. قلبه ينبض بالحُبّ والصفاء، حروفه تعكس الجمال، شعوره الصدق والوفاء، عطاء أكثر أكثر كلما امتد الزمان، ينثر الإبداع في كل الاتجاهات كرشة عطر تحلّي المكان، تبهج الإنسان، تفوح بأجمل العطور الزاكية التي يحلو ذكرها وترديدها في أشعاره ودواوينه.. بل كان العطر يحمل أجمل إصداراته الأدبية ديوان: «رشة عبير» الذي طبع عام 1397هــ، لذا نجد في أشعاره درر المعاني، الأفكار الرصينة، المفردات البليغة.

السّعد شاعر ملأ القصيدة تساؤلات.. إجابات، سكن وجداننا، أصبح في قلوبنا، شاعر ما زال يعطي بسخاء، بعيد كل البعد عن الحقد والكراهية، نغم مؤثر، نهر متدفق بالجمال والإبداع، بالفكر الجميل، بالشِّعر الرصين، في شِعره جاذبية، إنسانية.. حنين وشوق.. فيه شِعره الورود.. الرحيل.. الألم.. يقدّم فناً أصيلاً بأجمل الألحان:

قل ما تشاء

للورد لثغة دافئة..

تنام في أعماقها..

نسائم عطرية..

لذيذة الأتداء..

قل ما تشاء..

الليل ليل

والشموس مضيئة..

من يستطيع الرسم

فوق سحابة..

محمولة فوق الفضاء؟!.

قل ما تشاء..!!

مع أحمد السّعد.. ما زال للحرف إبداع، وللشِّعر رونق ومذاق، وللمفردات جمال.. كما قال شاعرنا: «الحديث النفسي والشِّعر بشكل بريء تواصل بين الشرايين وكريات الدم الملونة.. نغم متناسق بين التردد والوقوف لعبور شيء ما.. واحترق شيء ماء.. بدءًا ونهاية.. جزء من هذا الكون الإلهي الذي تعجز عن تفسيره عبقرية البشر.

والشِّعر حديث تتناغم فيه كل المكونات البشرية.. تتنامى صدفاً.. وتتواصل ألقاً.. وتتعرض لكل الرؤى.. وتخضع لكل التفسيرات.. ومن حق الجميع أن يطرحوا رأياً فيما يصافح أعينهم.. ولكن ليس من حق أحد أن يمسك بتلابيب الفكر والمشاعر ليصورها بمنظاره الخاص.

أحمد السّعد.. الذي كان كتب باسم «نديم الليل» يقودنا بأشعاره إلى أبواب مختلفة، وآفاق رحبة، ينهل من ثقافة عالية، ولغة متينة، حياته قاسية، عاش الوحدة، الفقر، البساطة، ما زال يحاول العبور وعدم التوقف، عشق الشِّعر حتى أصبح يجري مجرى شرايينه، وكريات دمه.. الشاعر الذي أحبّه الجميع لذا لا يزال في الذاكرة.

قال عنه الشاعر بندر الدوخي: «أحمد السّعد رجل يسافر وسط الرصاص والعطور وسط الذقون المحلوقة بدبلوماسية باردة. ثم يرتمي فجأة في قرية يختلط فيها الطين بلزوجة التمر بالأقدام المشققة عن تعب عريق.. بعيون لا تسفر إلا فوق نبضات الصدق.. أحمد السّعد حائر بين عجزين عجزه عن دخول المدينة والذوبان في أحماضها. وعجزه عن الانفصال عن القرية التي تشدّه إلى عالم يقترب كثيراً من الأرض انتماءً.. ويرتفع إلى السماء يقيناً».

وقد صدر للسّعد العديد من المؤلفات منها: «رشة عبير - ديوان شعر شعبي، حب اللولو - ديوان شعر شعبي، الأفق الرابع - ديوان شعر عربي، من وحي المساءات - حوار وجداني، فوح العبير في المجمعة - لوحة شعرية، لعيونك - ديوان شعر شعبي، مساء العبير والندى - رسائل وجدانية، باقي الثمالة».

ولشاعرنا مشاركات إعلامية وصحفية امتدت لأكثر من (30) عاماً، كان من أبرزها عمله في التلفزيون حيث أعد الكثير من البرامج الوجدانية، كذلك كان كاتباً صحفياً في مجلة «اليمامة»، وقد شدا بقصائده العديد من الفنانين ومن أشهرها: القصيدة الوطنية «قلنا نعم نعم» التي غناها الفنان محمد عمر، كذلك قصيدة «عذاب» التي أنشدها الفنان محروس الهاجري، وقصيدة «ربوع سدير» التي شدا بها الفنان الشعبي عبدالعزيز الراشد، كتبها السّعد قبل (40) عاماً تقريباً.. نجد فيها الحنين والشوق.. وعند التأمل فيها نجد أنها قد دفعته للحياة:

وفي «سدير» الهنا أصبح

حلال لكل من زاره

رمال.. وقمرا بالسامر

حكت لليل أخباره

وقمري غنى في «نخيله»

أغاني تبدي أسراره

حياتي ودي لو تمضي

ما يبن ورده ونواره

ولا أحلى.. ولا أغلى

من اللي يقول: يا أهلا!

يا ماشي في الطريق هدي

ثواني بس لو تسمح

وشوف الغيمة بتعدي

وغزلانه وهي تمرح

ودوك «الفيحا» و»المشقر»

رعاه الله من وادي

تشدك روعة المنظر

وانت رايح وغادي

ولا أحلى.. ولا أغلى

من اللي يقول: يا أهلا!

انا في «المجمعة» عمري

أبيعه واشتري ساعة

أقضيها ما بين أهلي

وأطفي نار لواعه

ورياض سدير لو قلبي

يطاوعني أعيش فيها

روابي تمير بالمغنى

يغنيها النسيم أحلام

وبالكلمة وبالمعنى

تلاقيها هوى الأنغام

يعجبك في أشعار أحمد السّعد أنها غير تقليدية، خاصة حين يحلّق بنا في فضاء الرومانسية وقلبه مع الواقعية، فكره مع البياض، يشع بالبساطة، ترفده المعرفة.. شاعر لا يزال في الذاكرة.. فذكره حسن، ومجلسه أدب، ولا يبوح لأحد سواء القلم والورق:

كانت ليالينا..

وهي سوداء من الجوع..

مليانة وفاء..

كنا بعز البرد.. لا جا البرد..

بثوب المحبة.. نلقا الدفا..

وياما الدهر

لوعنا بالأحزان..

كان الشهر..

أكثر من أيامه يصير..

هم وقهر..

لكننا ننسى الحزن..

في لحظة لما نلتقي.. ويا بعض..

فوق الحصير..

والا على نور القمر..

عقب الأخير..

وننشد عن أخبار المطر..

ولما تشب النّار..

والديرة جفاف..

محدن يخاف..

الجار يحب الجار..

والعيشة كفاف..

ومع الأيام..

تغير كل شي..

صار الهنا أحلام..

مشينا في الحضارة سنين..

سنين قدام..

سنين أوهام..

عماير في السما تمتد..

لا تحصى ولا تنعد..

ورخا بادي على الأجسام..

وفي داخلنا الألم مكتوم..

عنا وهموم..

فقدنا الحب والإخلاص..

وخلينا المحبة تنوح..

زمن مجروح..

زمن كله تعب للنفس..

وتعب للروح..