توفي الأسبوع الماضي الشيخ شبيب بن دويان عن عمر ناهز الواحد وتسعين عاماً. وفي سيرة الفقيد أنه أقدم الأئمة في مساجد الرياض، إذ عُين إماماً في جامع ابن دايل سنة 1396 هـ، واستمر إماماً لمدة 45 عاماً. سأتناول في هذه المقالة ملمحاً عن تحولات ظاهرة التدين في المجتمع السعودي، من خلال سيرة المسجد الذي أمَّ فيه الناس، أي مسجد ابن دايل، مستعيناً بمفهوم نيتشه «العود الأبدي».

لحظة تعيين شبيب ابن دويان هي أيضاً لحظة فارقة في تاريخ الرياض وكل المجتمع السعودي. فتعيينه صادف اندلاع هدير الطفرة في المجتمع، الطفرة التي تعد أهم عوامل التغير الاجتماعي في المملكة العربية السعودية. يقع مسجده على طريق الحجاز، الذي كان وقتها يشكل المدخل الغربي لمدينة الرياض، فعن طريقه يدخل القادمون من الحجاز والوشم للمدينة، إذ لم يكن طريق مكة الحالي، ببوابته الطبيعية الشاهقة والمسامة بـ»القديّة»، قد شُق بعد وكان على الداخلين للمدينة من الغرب أن يسلكوا طريق ديراب. إلى الغرب من المسجد، كانت حلة ابن دايل، ببيوتها الشعبية المبنية من الإسمنت، وكانت أكثر أسر الرياض لم تعرف النمط السكني المستحدث المسمى بـ»الفيلا»، والذي كان صندوق التنمية العقارية سيعجل تعميمه ونقل أسر الطبقة المتوسطة إليه.

وقتها كنتُ طالباً في المرحلة المتوسطة وكنا نسكن حي ابن دايل، على ضفاف وادي حنيفة مبتعدين عن مسجد ابن دايل بنصف كيلو تقريباً. في تلك السنوات، تعرفت على «الشباب» في مكتبة عبدالله ابن رواحة، الواقعة في مسجد داخل الحي. كانت المكتبات وقتها الأداة التنظيمية البازغة تواً وسط المجتمع والناشرة لبذور ما سيعرف لاحقاً بالـ»الصحوة». وقودها كثير من طلاب المتوسطات والثانويات وثلة من طلاب الجامعة. الحضور الأكبر فيها لطلبة معهدي جامعة الإمام في الرياض وقتها، أي معهد إمام الدعوة ومعهد الرياض العلمي، إذ لم تعرف الرياض وقتها إلا هذين المعهدين. عن طريق المكتبة، تعرفت على «نادي الجامعة»، وهو نادٍ أقامته جامعة الإمام على شارع قتيبة ابن مسلم وكان لافتتاحه أثر مدمراً على مكتبة عبدالله ابن رواحه ذاتها. فالنادي الواقع في فيلتين فسيحتين وملحق به ملعب طائرة صار أكثر جذباً لشباب الأصقاع الجنوبية من مدينة الرياض من المكتبة، التي كانت مجرد غرفة صغيرة ملحقة بمسجد. صرت أذهب إلى النادي عصراً، أحياناً راجلاً وأحياناً أقود سيارة إن توفرت لي. في ذهابي للنادي راجلاً، اخترق الحي باتجاه طريق الحجاز، لأنعطف شمالاً حتى شارع قتيبة ابن مسلم، النازل من منفوحة إلى طريق الحجاز، فأسلكه شرقاً حتى أصل النادي. في طريقي إلى النادي أو راجعاً منه، كنت أمر بجامع ابن دايل فإذا أدركتني الصلاة وأنا حوله صليت فيه خلف إمامه، الذي بدا بمظهره الأشيب وبشته الذي لا يفارقه وكونه كفيفاً وإماماً لمسجد لا يحيا إلا أوقات الصلوات كجزء من عالم يحتضر. مسجده مختلف عن مساجد «التدين الجديد»، حيث النشاطات والمحاضرات والندوات والمكتبة والشباب الذين يحيون المسجد. دلفت مرة إلى المسجد قبيل صلاة المغرب فلم أجد أحداً في المسجد الواسع الكبير سواه. وكانت هذه صورة مناقضة للمساجد التي سيطر عليها الشباب، وإن كانت معتادة في أغلب المساجد التي لم يصلها الزحف بعد. صليت خلفه صلاة الجمعة أكثر من مرة وكانت خطبه «تقليدية» تخلو من «قضايا العصر»، كأن تكون ذا نبرة تحريضية ضد ما «يدبر للمرأة وأحابيل الصحافة وفتن المسلسلات وإشغال الشباب بالرياضة والفن». فالخطب الجديدة، مثلما التدين الجديد، كانت تتمحور حول كشف «بروتوكولات حكماء صهيون» (كم كان الاسم رناناً) وتبنياً لأجندة أنور الجندي ومحمد قطب ضد مظاهر التحديث في المجتمعات العربية، والتي اكتسحت المجتمع السعودي في السبعينات. وقتها، لم أكن أعرف عن إمام ذلك المسجد شيئاً. حتى أسمه لم أكن أعرفه. تحدثت مرة إلى ثلة من شباب النادي عنه، بوصفه محض ظل من زمن قديم. لكن اتضح أنهم يعرفونه، لا عن طريق المسجد فقط. بل عن طريق معهد الرياض العلمي أيضاً، حيث كان يدرّس فيه. الانطباع الذي فهمت أن ما تكون لديهم عنه، لم يكن يختلف كثيراً عما تكوّن لدي. هكذا خبرت شبيب وكونت صورة عنه، لا خُطبهُ في الجمع مثيرة لتتحول موضوعاً لأحاديثنا، على غرار نجوم الخطب الذين كانوا يحكّون سماء الشهرة وقتها، ولا تراويحه مقصد الشباب، برغم صوته الشجي وإجادته للتلاوة «النجدية». كان شبيب في المسجد خارج التفكير أن يكون أكثر من إمام مسجد.

أربعون عاماً مرت وطوى النسيان الرجل حتى قرأت خبر نعيه الأسبوع الماضي، لأفاجأ أن الرجل وفي مسجده تحول لاحقاً لأكثر من إمام لا ينشط مسجده إلا وقت الصلوات فقط. صار مقصداً لعدد من طالبي حفظ القرآن وتجويده، إضافة لقراءة كتب أخرى على يديه، ككتاب الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبدالوهاب. لم يكن شبيب أحد منتجات التدين الجديد أو عناصره. لكن مسجده أفاد من شيوع حالة التدين في المجتمع لاحقاً فشهد مسجده تردد الطلاب عليه، بعد أن مر بفترة جفاف من المرتادين لغير الصلاة. تمثل الفترة التي ترآى لي فيها مسجد الرجل كعلامة على زمن أفل مرحلة بزوغ ظاهرة دينية جديدة هي الصحوة. فيما تمثل «عودة الحياة» الى مسجد شبيب وإقبال ثلة من الناس عليه إما تحولات داخل التدين في المجتمع السعودي، حيث تدب الحياة في التدين التقليدي مجدداً وترفض فئات شبابية طالعة أطروحات الإسلام الحركي. فالذين قصدوه للدرس على يديه وعمروا مسجده، الذي بدا لي في لحظة «جزء من عالم يحتضر»، هم مجموعة رأت أن سمات التدين تكمن في الإقبال على العلم الشرعي الخالص، رافضة ظاهرة «التدين الجديد»، التي من أبرز سماتها «الاشتباك مع قضايا العصر». أو بتعبير أكثر رواجاً، ظاهرة الإسلام الحركي. لن أستخدم التسميات المعتادة للفريقين، ففي ذلك كثير من المجازفة. لكن بوضوح وأيّا كانت الهويات الأيديولوجية لقاصدي شبيب في مسجده للتتلمذ على يديه، فإنهم، على الأقل من زاوية ما، تعبير عن انبعاث الروح في التدين التقليدي وهجران جزء من المزاج المحلي للتدين الحركي، إذ إن شبيب في تعلّمه ثم في تعليمه، لم يكن إلا عنصراً من عناصر الطرق المحلية المتوارثة في التدين والعلم الشرعي.

وأنا أقرأ نعي الرجل وسيرته وتعاظم شهرته وتحول مسجده مدرسة تعلم فيها الكثيرون القرآن والتوحيد وأقارن ذلك بصورة ذات المسجد وذات الإمام قبل أربعين عاماً، مسجداً خامداً في غير أوقات الصلاة، أردد مع محمود درويش:

«عادوا…

من آخر النفَق الطويل إلى مراياهم.. وعادوا

حين استعادوا مِلْحَ إِخواتهمْ، فرادى أَو جماعاتٍ، وعادوا

من أَساطيرِ الدفاع عن القلاع إِلى البسيط من الكلامْ»

وأستعيد مفهوم نيتشه «العود الأبدي» مستعيناً بتعبيره البالغ الدلالة «لقد عاد كل شيء. نجم سيريوس والعنكبوت، وأفكارك في هذه اللحظة، وتلك الفكرة الأخيرة لك أن كل الأشياء سوف تعود».