قد تفقد الأرض جاذبيتها من دون الأخلاق، ويتشكل سحر البشرية بالعلم فهو دين المستقبل، وقد تنتحر العقول عندما تتشبث بالحياة وتترك الكتابة. رؤى وفلسفة معتّقة لجندلة مفاهيم الحياة الفكرية في ثرثرات استطرادية تستعرض مسيرة البشرية منذ فجر التاريخ قال عن رحلة الحياة: «سوف تدول دول وتنقلب أزمان… والسعداء من لا يعرفون الشيخوخة» ويُصدر صك اعتراف قضائياً في وعيه الذاتي للحياة بقوله «ربما كان الخطأ أن تبحث في هذه الدنيا عن معنى بينما أن مهمتنا الأولى أن نخلق هذا المعنى» هكذا هو يستحضر في نصوصه طفولته ليواجه الشيخوخة ويستعين بالذاكرة ضد النسيان والحياة الصاخبة لمواجهة الموت، إنه الأديب البارع نجيب محفوظ (المولود 1911 – المتوفى 2004 م ) .

وتحيد بنا الطرق وتتعدد المسالك عند الخوض في أدب رائد الواقعية نجيب محفوظ، فهو من اعتبر (أن الأدب في صميمه سؤال ولو كان الجواب حاضراً لما كان هناك

حاجة إلى الأدب فالمقال السياسي والاجتماعي يكفي) . فندخل إلى أدبه فيتجسد أمامنا الصدق الشديد والقدرة على النفاذ إلى أعماق النفس البشرية والبحث والدفاع باستماتة عن قيمتي العدل والحرية في الحياة، وما بين البدايات والنهايات كان محفوظ عالقا بين صراعه الفكري وقلقه الوجودي.

قام بنقلة نوعية في أعماله الفنية، التي تدور حول أحلامه وسيرته فاعتبر «أن السيرة وثيقة على لحظة تاريخية، بل الاستماع إلى وعي ما وفهم المنطق الذي تنبع منه نظرة للعالم في لحظة معينة» وبنا نقف على شذرات استثنائية من فرائد أدبه، ففي (الأعوام) تتشكل ملامح الوعي الأولى كوثيقة عن الطفل نجيب، تحمل الطابع الاعترافي، نافياً للذات، مرواغا لتأملات الحياة الواقعية، وفي (أصداء السيرة الذاتية) كان الشيخ ينظر للحياة بعيني طفل، ومغامرة شاب، ليكتب ما تبقى من ذاكرته وهي ما يسميها (عجز الشيخوخة وعزلتها) إنه صراع العمر والتشبث بوهن الذاكرة.

إن الطفولة بالنسبة إلى محفوظ (فترة خاطفة تبدو لعين الحالم خطوة أولى في طريق بلا نهاية) ومرحلة الشيخوخة تشبه بقوله (أنسانا مسافرًا إلى الإسكندرية وصل به القطار إلى محطة سيدي جابر، فبدأ يتأهب للنزول يحمل حقيبته استعدادا لمحطة الوصول) ويؤكد محمد شعير إبداع محفوظ في مرحلته المتاخرة قائلاً: (تنطبق عليه تمامًا إشارة إدوارد سعيد إلى فرويد بأنه بدأ في أسلوبه المتاخر (يثقب في الماضي المدفون والمنسي).

كان صبي الأعوام (كمال عبدالجواد) حاملاً لصوت نجيب في طفولته، ممثلاً لأزمته الوجودية في مرحلة الصبا والشباب، بينما (عبدربه) في الأصداء درويش مجذوب يترنم بالحكايا والأغاني يقف السامع أمامه حائرا دون أن يجرؤ على طلب إيضاح أو تفسير ونعود لمحمد شعير وعبقريته في التقاط تجليات هذه المرحلة الأدبية لمحفوظ في كتابه (أعوام نجيب محفوظ البدايات والنهايات) حيث أكد بقوله «ارتبط تغير المضمون بتغيرات فنية عديدة على مستوى اللغة والبناء والرؤية، ففي الأعوام يبدو الزمن لدى محفوظ زمنا خطيا متصاعدا، لكنه في الأصداء نجدنا أمام ترتيب زمني درامي بل أمام تداع حر، بلا ترابط زمني» وهو حسب الناقد إبراهيم فتحي: «انما تتداعى الذكريات خارج إطارها الزمني لتندرج تحت معنى أشمل وحقيقة أعمق هي معنى لحظة التذكر والكتابة».

كان محفوظ يدرك أن الالتزام بالحقيقة مطلب خطير، فنجد في نصه الأعوام تتقاطع ذاته الحقيقية مع ذوات عديدة داخل النص، وتحمل شخصياته أفكاره وخبراته، ولعل هذا الولع المبكر بالاسئلة والفن والعيش في العوالم الخاصة المصنوعة من الخيال ما جعل أمه تطلق عليه (أبو التفانين الرايق) فأين يمكن أن نجد الطفل نجيب في أعماله؟ وهو من قال لغالي شكري "أملك عين الطفولة التي رأيت وأحسست بواسطتها الأشياء … حياة الطفولة لا يتدخل الوعي في تحويرها إنما هي المادة الخام".

بينما الأصداء مفتاح لفهم إبداع محفوظ في المرحلة المتأخرة من حياته، كأنه يستعد للولادة والحياة بشكل آخر، كتبها بلغة إيحائية مكثفة متصوفة، تعتمد الإشارة لا التعبير المباشر. وأسماها الأصداء على اعتبار أن الصدى ينتج قدرا من الحرية وكأن رحلته في الحياة تتقاطع مع رحلة الشاعر الفيلسوف الخيام التي بدأت بالشك ولكن هل انتهت إلى يقين؟ وكان محفوظ قادراً على الاستشراف ومد أفق البصيرة إلى ما وراء الواقع، أليس هذا ما كان يريده؟ قال الشيخ عبدربه التائه (أحببت فكان الوصال، وركبت في خاصرتي جناحي النجاح.. وهبط على أذني طائر بشري وهمس (تأهب واقترب).