يتحوّل لبنان في زمن ميليشيا حزب الله إلى ساحة مفتوحة لأجندة ولاية الفقيه السياسية والعسكرية والمذهبية في المنطقة، تتمدد فوق أنقاض الدولة اللبنانية المتهالكة، عبر إرساء دويلة وظيفية متكاملة يديرها مؤسسها عن بُعد، على قاعدة يحكم ولا يملك، حتى لو كان ذلك على حساب ما تبقى من هيبة لبنان وأجهزته الأمنية، وعلى حساب هيبة الحكومة التي ما تشكلت لولا اطمئنان الحزب إلى تحكمه بها.

فما جرى في الطيونة يدلّ على أن لبنان برمته يقف على فوهة بركان، وإن كانت الطبقة السياسية التابعة لحلف الممانعة تحاول التصرف وكأنها تلملم الموضوع، إلاّ أنها على رأس المشاركين في هذه الأحداث من خلال التجييش الإعلامي والسياسي المحرض عليها، وفق منطق المزيد من الهيمنة وفرض الآراء على الآخرين، ولم تلتفت إلى التحذيرات العربية والدولية بأن الدولة اللبنانية على حافة الانهيار.

أحداث الطيونة المفتعلة ليست شرارة حرب أهلية فقط، بل لإشعال حريق واسع يلتهم لبنان بأكمله، والذي بدأ مشروعه منذ أن تنصل حلف الممانعة من اتفاق الطائف، وذلك بوتيرة تزيد وتضعف تبعاً للظروف، أما الظرف اليوم فخطير جداً، لأن الدولة تتحلل ومشاهد السلاح المتفلت المستقوي عليها اليوم تشرح الواقع.

ولا شك في أن أولى ضحايا الطيونة في محاولة عزل القاضي البيطار هي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، والتي انتهت قبل أن تنطلق، لا سيما أن جهد رئيسها المبذول في تسويقها داخلياً وخارجياً على أنها مستقلة وحكومة اختصاص، وتمثل المواطن اللبناني، وليس الأحزاب السياسية، كشفها على الملأ بعض وزرائها الذين خلعوا ياقة الاختصاص، ولبسوا قمصان الطائفة، لا سيما في ظل قضاء ضعيف ومستقوٍ عليه من ميليشيا السلاح التي سبق وأن رفضت التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بدعوى التسييس، وها هي اليوم ترفض التحقيق اللبناني الوطني في جريمة المرفأ بدعوى التسييس أيضاً، واعتبار تحقيقات القاضي البيطار بحكم العدم، وتهدد وتتوعد وتعلن النفير في مواجهة مشروع "الاستكبار العالمي"، على الرغم من أنها تواجه هذه المرة قاضياً فرداً وليس أكثر.

لهذا يدفع اللبنانيون جميعهم ثمن هذا الواقع، ثمن ربط لبنان بمحاور قضت على أمنه واقتصاده وتقدمه، وأسهمت في تشرذمه؛ وفي الوقت نفسه تقدم نفسها على أنها الحلّ في لبنان، كمن يشعل الحرائق ثم يزعم إطفاء أحدها، فيما الواقع أن النار تلفح الناس، وتأكل مدخراتهم، وتزرع اليأس في نفوسهم، وتدفعهم للهجرة من بلد مستعصٍ على الإصلاح.