قُدّر لي أن أكون من أولئك المتتبّعين برامجَ المعارض الدولية للكتاب، في عالَمٍ تتّجه أنظار عُمّاره جميعاً، إلا من ندر، إلى مباريات كأس العالم، ولا يعني ذلك بالطبع عدم مؤازرة المنتخب الوطني، فأنا أوّل الهاتفين اللاهجين، غير أنّي مبرمَج على أن أبحث في كل واقعة ومناسبة عما يلائمها من الكتب والأعمال الأدبية.

ومن الروايات السعودية التي تحضرني في هذا السياق، عمل الصديق سعيد الأحمد "رباط صليبي"، تلك الرواية التي سردت وقائع مباريات كرة القدم في حارات الرياض القديمة، من المرقب شرقاً حتى البديعة غرباً، ومن الحراج جنوباً حتى المربّع شمالاً، قبل نحوٍ من ثلاثين عاماً من زمان العاصمة السعودية، التي أضحت مدينة مليونية كما نرى الآن.

انتقل الروائي الأحمد إلى شمال الرياض فيمن انتقلوا إليه، ولكنّ ذاكرته ظلّت مسكونة بأصائل تلك الأيام، وشجاراتها، ومبارياتها، وشائعاتها، وأحداثها الصغيرة، ولحظاتها الغائرة في تفاصيل الطفولة وتشاغيب المراهقة الفتيّة.

رسَم الراوي في "رباط صليبي" حدود الأحياء، وصراعات الفتيان المثيرة التي لا تقلّ إثارة عن نزالات الفتوات في حارات نجيب محفوظ، والذي يُلاحظِه القارئ الشاهد للرواية الشفهية للتاريخ الراهن هو أن معظم أبناء الجيل الذي ينتمي إليه الأحمد من رجال مدينة الرياض يروُون حكايات نشأتهم وصباهم على النحو نفسه، وأعظم ما صنَعَته هذه الرواية هو أنّها نقلَت هذه المشاهد الشفهية إلى عالم السرد المكتوب.

لقد عرفتُ كاتب "رباط صليبي" مِن قُرب، قبل أن يكتب روايته هذه بنحو من عشرة أعوام، وكان أكثر حديثنا عن كرة القدم في عهد الشاشة غير الملوّنة وما بعده، وفي إبّان نظام "المربّع الذهبي"، الذي كان يُبقي المنافسة مستمرّة بين الأربعة الأوائل في الدّوري، وعلى نحوٍ موازٍ، كانت أحاديث هذا الرياضي/ القارئ/ الكاتب، عن "كرة الملاعب الترابية"، هي فكاهةَ المجلس، وأُنسَ السامر، ولئن عرف القرّاء الأحمد مِن كتابيه (عسَس ورباط صليبي) لقد عرفناه نحن من مجالسه، وأستعير هنا في شأنه عبارة بورخيس التي ورَدَت في ترجمة عبدالسلام باشا لسيرته الذاتية: "ماثيدونيو الحقيقي كان في المناقَشة".

وبعد مرور أكثر من عشر سنوات من جلسات المناقشة حول "كرة القدم الترابية والعشبية"، وعن تضحيات حرّاس المرمى، ووحشيّة المدافعين، وانتحاريّة رؤوس الحِراب، والمنتخب الذي لا يُخطئ، وماجِد الذي "يُصاب ولا يعجز أبداً"، بعد كل تلك السنين صدَرت الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها في هذه المقالة، ثم مضَت سنون أُخَر دون أن تُتاح لي فرصة تناولها في مثل هذه المناسبة.

استعارت رواية "رباط صليبي" عناوين فصولها من عبارات كروية شائعة، مثل: "حالة انفراد"، "ليس بين القبضة والهدف مساحة كافية لإعادة التفكير"، "الوصول إلى الهدف لا يتم بمهارة فردية"، "موجات التمرير"، "رائحة العشب". وأهدى الكاتب روايته إلى هاشم سرور، الذي وصفه بأنه الرجل الذي لم يعد يذكره الكثيرون، ولا هو يذكر من يتذكرونه، وبأنه اللاعب الذي علّم فتيان ذلك الجيل "كيف يكون المرء مفكّراً وفيلسوفاً داخل ملعب كرة قدم"، واسترفد عبارة جان بول سارتر: "كرة القدم هي اللعبة التي تختصر الحياة بكل تعقيداتها وقوانينها".

يتحول المشهد في هذا العمل السردي إلى حلبة من حلبات معارك الغابات في عصور ما قبل التاريخ، وينقلب الأبطال الآتون من شتى مدن المملكة وقراها إلى قبيلة جديدة، توحّدها هويّة الشعار الواحد، والقلوب المؤتلفة، والأنا والآخر، والرفاق والخصوم، والفوز والخسارة، وتحدّد الرواية الدقيقة السابعة والثمانين مفترقاً للّحظة الحاسمة، ولصناعة التاريخ، حين يتخطّى المهاجم أو لاعب الوسط أو الظهير آخر مهاجم، ويركض بكل قواه تجاه المرمى، وفجأة ينتاب البطء كل شيء، وكما في مغامرات "كابتن ماجد"، تصبح الثانيةُ أطولَ من عشرِ ثوانٍ، وتهجس في صدر المهاجِم عشرات الخواطر، وتنقضّ على ذهنه عشرات الجُمل الاعتراضية، التي يتوجّب عليه أن يردّ عليها بما يفحمها في لمح البصر، وبخَطَابة إيادية، في سرعة ضوئية، وهو مع ذلك يعدو لاهثاً إلى الأمام، ويخطف نظرة إلى ذراعي حارس المرمى وساقيه، وكأنه ملاكم يتأكّد من ثَبات خصمه على الركح، أو هو عنترة في إحدى عرَصات مواجهات "داحس والغبراء" إذ يقول: "بطلٍ كأنّ ثيابَه في سرحةٍ/ يُحذى نِعال السِّبتِ ليس بتوأمِ. لما رآني قد نزلتُ أريدهُ/ أبدى نواجذَه لغير تبسّمِ".

يستحضر البطل الراوي في هذا العمل السردي، في أثناء هجمة الدقيقة السابعة والثمانين، شريط ذكريات، وقائمة مطالب، وسيلاً من الشتائم والرغبات والآمال، فترنّ في مسمعيه وتلمع في باصِرتيه ملامات لاعبي الوسط بفريقه، واللعاب المتطاير من بين أسنان المدرّب، وثرثرة أعضاء الشرف في النادي، ومخاوف أمه وأخته خلف الشاشة، وصوَر إخفاقه في اليوم التالي على عناوين الصفحات الرياضية، ومناداة جمهور الدرجة الثانية بإقصائه من تشكيل الفريق.

ومع ذلك، يحمل المهاجم كل ذلك العبء على عاتقيه وهو يعدو، ويندفع إلى الأمام، إلى المجهول، إلى أحد الاحتمالات الثلاثة التي لا رابع لها: أن ينجح في التصويب، أو يبدّد الفرصة الوحيدة، أو يدقّ الحارس العملاق عظامَه ويقصيه عن الملاعب إلى الأبد... ومع ذلك يركض البطَل.. ويتقدّم.. ويسدّد.

و"معاك يالاخضر".

سعيد الأحمد
ماجد عبدالله
بورخيس