رغم كل ما قد يُقال عن تأخّر دخول المسرح إلى البلاد العربية، وعن الأسباب التي دعت إلى انتظار العرب إلى سنة 1848 للتعرف عليه بعد أن اقتبس اللبناني "مارون النقاش" (1817 - 1855) مسرحية البخيل لـ "موليير"(1622 - 1673) وقدمها للمتلقي العربي؛ إلا أن نقاد المسرح العربي ودارسيه يجمعون على أن المجتمع العربي - مشرقه ومغربه - عرف عددا من الأشكال الفرجوية التي كانت رائجة بين الناس، معروفة لديهم، ومقبولة بوصفها مظهرا عاديا من مظاهر الحياة اليومية. لم تكن هذه الأشكال مسرحا؛ بالنظر إلى انعدام مقصدية إنشاء مسرحية، وكذلك لأن العرب لم يكونوا على دراية بوجود هذا الفن الذي كان من الممكن أن يتعرفوا عليه منذ عصر المأمون، عندما تصدى "متَّى بن يونس" لترجمة كتاب "أرسطو" فن الشعر، غير أنه أخطأ عندما ترجم مصطلحي طراغوديا وكوموديا الإغريقيين بمديح وهجاء على التوالي، ظنا منه أن الكتاب يتحدث عن الشعر الإغريقي؛ في حين أنه كتاب مخصص للمسرح.

ومن هذه الأشكال الفرجوية السابقة في ظهورها وانتشارها على ظهور المسرح في البلاد العربية، نذكر في المغرب على سبيل المثال: الحلْقة، وفرجة بوجْلودْ، والبْساطْ، وسِيدْ الكَتْفي، وسلطان الطلبة. أما المشرق العربي فقد عرف فرجات من قبيل مواكب خروج الخلفاء والسلاطين لأداء صلاة الجمعة، وخيال الظل، واحتفالات الأعياد والمواسم وغيرها.

ولاشك أن أسباب تشبيه هذه الفرجات العربية الأصيلة بالفن المسرحي، إنما ترجع إلى اشتراكها معه في عدد من المقومات؛ ومنها مثلا:

- إن فرجة "الحلْقة المغربية" - التي تقوم على تَحَلُّق عدد من الناس حول حكواتي يحكي قصة مأثورة ويجسدها، وأحيانا يستعين بأحدٍ من الحضور لتأدية دور ما أو لتجسيد ديكور وهمي ما، فضلا عن الارتجال - تشبه المسرح الإغريقي من ناحية أنه كان كذلك دائريا؛ بحيث يحيط الجمهور بالخشبة. كما تشبه المسرح في وجود حكاية ما تُجَسَّد، وحوار (على شكل مونولوج، أو ثنائي بين الممثلين؛ لذلك يضطر الحكواتي في الحلْقة إلى تجريد شخص آخر منه، أو يدفع أحد الحضور إلى الارتجال والمشاركة معه...)؛

- إن فرجة "البْساط المغربية" ضرب من التجسيد الترفيهي، الذي يروم في نفس الآن الإضحاك وكذا انتقاد بعض السلوكات داخل المجتمع (كالكذب، وخيانة الأمانة، والسرقة...) بطريقة رمزية. وهي في هذا شبيهة بأهداف المسرح الكوميدي وغاياته، وإن لم تكن لها خشبات تعرض عليها، بل كانت في الغالب تتم في القصور أو في بعض الساحات.

وعلى العموم، عرف العرب عددا من الأشكال الفرجوية التي قد نعتبرها مسرحا تقليديا في روحه، لا تحترم قواعد مضبوطة ولا تتبع أُطُرًا نظرية معينة، بقدر ما تتضمن إرهاصات تشي بأن العرب كانوا – عاجلا أو آجلا – سيتوصلون إلى الفن المسرحي وسيمارسونه، حتى وإن لم يقم "مارون النقاش" بإدخاله إلى البلاد العربية منتصف القرن التاسع عشر.

موليير
مارون النقاش