منظمة الصحة العالمية صنفت الوظائف التي تخل بدورات النوم الطبيعية بوصفها مسرطنة، والمعنى أنها تجعل صاحبها أكثر عرضة للإصابة بالسرطان، فالسهر يفقد الجهاز المناعي كفاءته في مقاومة الأمراض بمعدل ثلاثة أضعاف..

الناس في رمضان يتحولون كائنات ليلية، وبالأخص في المملكة والمنطقة العربية، وأكثر ما يتغير هو ساعات النوم وأوقات العمل والدراسة، فالأولى تقل إلى معدلات غير صحية، والثانية والثالثة تؤخر إلى ما بين العاشرة صباحاً والثالثة عصراً، والشخص البالغ في العادة يحتاج إلى سبع ساعات من النوم المتواصل ليستعيد نشاطه ويؤرشف معلوماته، ويكنس مخلفات اليوم السابق ويجدد خلاياه، والمختصون السعــــــوديون استفـــــادوا من تجربة (النوم المقسوم) التي طبقت لأول مـرة من قبـــــل وكالة ناسا الأميركية، وتحديداً على رواد الفضاء لأنهم يعملون بنظام المناوبات، وليس بإمكانهم النوم لثماني ساعات متواصلة، وبعدما ثبت أن تأثيراته معدومة على المدى القصير أو المؤقت، ولهذا فهم يوصون بأربع إلى ست ساعات من النوم الليلي في رمضان، ومن ثم تلحق بها ساعتين إلى ثلاث في النهار.

قلة النوم والسهر لهما علاقة بالوفاة المبكرة وقصر القامة، لأنهما يؤثران على الأجهزة الحيوية في الجسم ومعها هرمـون النمو، والأخير لا يعمـــــل إلا في الفترة ما بين الساعة العاشرة مساء والرابعة فجراً، ما يفسر أطوال شريحة واسعة من السعوديين، والمملكة تأتي في صدارة الدول الأكثر سهراً، والثانية في قلة نوم سكانها بعد اليابان، وبمتوسط ست ساعات لكل يوم، وأكدت الدراسات أن قلة النوم قد ترفع من الإصابة بالاكتئاب إلى عشرة أضعاف، وربما انتهت بالمكتئب إلى الانتحار، وأنها تزيد من جلطات القلب بنسبة 50 %، وجلطات الدماغ بنسبة 15 %، ويحدث هذا لأن الجسم لم يأخذ حقه الكامل من النوم المتواصل والصحي.

منظمة الصحة العالمية صنفت الوظائف التي تخل بدورات النوم الطبيعية بوصفها مسرطنة، والمعنى أنها تجعل صاحبها أكثر عرضة للإصابة بالسرطان، فالسهر يفقد الجهاز المناعي كفاءته في مقاومة الأمراض بمعدل ثلاثة أضعاف، وموسوعة غينيس للأرقام القياسية، أوقفت منافسات الرقم القياسي للاستيقاظ بدون نوم، لمخاطره وأضراره الكارثية، بخلاف أن من ينامون أقل من خمس ساعات في اليوم تنقص أعمارهم أربعة أعوام، إذا ما قورنت بمن ينامون ساعات كافية، ولعل الأعراق القوقازية في شمال أوروبا وأميركا ونيوزلندا وكندا، تمتاز عن غيرها في ذلك، لأنها تكتفي بفترة نوم واحدة آخر اليوم، ولا تأخذ قيلولة، كما هو الحال في آسيا وأميركا اللاتينية والمكسيك واليونان وإيطاليا وإسبانيا.

في دراسة محلية أجريت عام 1999 على طلاب الابتدائية، لوحظ أن 40 % منهم يأخذون قيلولة نهارية تصل مدتها لثلاث ساعات، وهو أمر غير معتاد لمن أعمارهم ما بين 5 و11 عاماً، وأتصور أن المسألة قد تغيرت مع إضاءة (الليد) ذات اللون الأزرق قصير الموجة، والموجود كذاك في الأجهـــــزة اللوحية والجوالات الذكية، وهذا الضــــــوء ينتقل من شبكيــــة العيــــن إلى مركز الساعة البيولوجية في الدمـــــاغ، ويؤثر فــــي عمل الغدة الصنـــوبرية، ويؤدي إلى تعطــيـل إفــــراز هرمون الميلاتونين بمفعوله الموصل لمرحلة السبات، وإحصاءات السهر وقلة النوم الحالية تؤكد هذه الحقيقة ولا تنفيها، باستثناء أمراض النوم الجينية كمتلازمة (كلاين ليفين).

توماس أديسون صاحب المصباح الكهربائي، لم يكن ينام لأكثر من أربع ساعات، وقد كان اختراعه مدفوعاً بنظرته إلى النوم نفسه، لأنه اعتبره مضيعة للوقت، ومعطلاً لقدرة الناس على الاستمرار في الإنتاج لأطول فترة ممكنة، والبعض يحمله مسؤولية الأرق عند الإنسان، وأنه صعب على الساعة البيولوجية التفريق بين الليل والنهار، في المقابل، البرت اينشتاين، صاحب النسبية، لا يستطيع التفكير بشكل منظم إلا بعد نوم متواصل لعشر ساعات، ومعه الكيميائي الروسي ديمتري مندلييف، الذي لم يتمكن من ترتيب الجدول الدوري للعناصر، إلا في الحلم أثناء نومه، وهناك من يرجع حادثة انفجار مفاعل تشرنوبل في 1986، إلى أن المسؤول عنه لم ينم بشكل جيد قبل الحادثة، وبالتالي لم يتخذ القرار الصحيح.

المملكة من الدول الرائدة في طب النوم، وتعتبر ثالث دولة في العالم تهتم به، فقد نشرت تصنيفاً لطب النوم في 2012 بعد أميركا وألمانيا، والسابق يجعلها متقدمة على كل الدول الآسيوية، بما فيها المتطورة طبياً كاليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند، والتصنيف السعودي اعتمدته آسيا باسمها بعد إجراء تعديلات عليه في 2020، ومن المفارقات أن الريادة السعودية جاءت في قلة النوم والسهر معاً، رغم وجود أطباء يعالجون أمراض النوم ويتفوقون في تخصصهم على الآخرين، إلا إذا كانت إنجازاتهم ورقية ومكتبية لا أكثر، وبما أن الكلام عن نمط النوم الصحي في رمضان، فالممكن هو طرح خيار الدراسة والعمل المعتاد، وبحيث يكون من السابعة صباحاً وحتى الثانية عشرة ظهراً، مع العلم أن الصحافة السيارة والمواقع الإلكترونية، أجرت استفتاءات حول الموضوع منذ 2018، ووجدت أنه مقبول بدرجة عالية عند أوساط اجتماعية واسعة، والمتوقع أن مردوده على الإنتاجية سيكون إيجابياً، ولا ينقصه إلا اعتماد وزارة الموارد البشرية، ومباركة أجهزة الدولة والقطاع الخاص.