ستقف معجبا بالنص القاطع في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ولحم الخنزير، والربا، والزنا، والفواحش، وأكل مال اليتيم، والظلم، بعمومه، وعقوق الوالدين، وما أشبه ذلك، إذ إنها لا تتغير بزمان ولا بمكان! فالشريعة الغراء جاءت بكل يسر وسهولة، تنظيما وتخفيفا، وتبشيرا!

قد منَّ الله تعالى علينا بدين الإسلام، الذي أكمله، وأتم به النعمة، ورضيه لنا دينا.

وإن من المتعين على المسلم الإخلاص لله وحده، والتجرد في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مقتضى الشهادتين، ومعناهما.

وإن اتّباع الحق هو المراد، والتزامه في وقت الغربة، وقلة السالكين لطريقه هو الجهاد الحق، وهو الذي يحتاج إلى صبر ومصابرة.

ومن أعظم ما يوجب الوحشة، ويعرقل التمسك بالوحي الصافي ما أسميه بقطاع الطرق من الخيرين، أي من يحول بين المرء وبين كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بدافع حب الخير، والحرص على الدين، وهو صادق في ذلك! فلا نشك في نواياهم، ولا نرتاب في أنهم من حرص يصدرون، وعن رغبة في الخير للناس يشددون.

ولما كان الحق هو الغاية والمقصود، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الوحيد الذي لا يراجع فيما يقول، ويجب الاستسلام لأمره، والوقوف عند نهيه، واتهام العقل إذا لم يفهم شيئا مما قال، وعدم جواز رد قوله بالرأي، أو بالعقل، وأما من دونه فيؤخذ منه، ويرد عليه، ويناقش، ويجادل؛ لأنه لا قول فصل لبشر إلا للنبي، صلى الله عليه وسلم.

وقد جاء صلوات الله وسلامه عليه بشريعة سمحة، حررت عقل الإنسان لينطلق في آفاق الفهم والمعرفة الدينية والدنيوية، لا أقول بلا ضوابط ، ولكن بأقل ما يمكَّن من الفهم الصحيح، فهي كمن سمح للماء أن يجري بيد وشق له السواقي، وفتح له المعابر ، وهدم جميع السدود.

إذ ليس في شريعة الإسلام ما يخشى منه، ولا ما يستحى منه، وكل عاقل منصف لو قرأ تعاليم الإسلام دون الاقتناع بأنها وحي من الله تعالى لما وسعه إلا أن يعجب بها، ويقتنع بشموليتها، وصلاحيتها للناس، وأنها الأقدر على تنظيم معاشهم في الدنيا، وفي الآخرة.

ومن قناعتي بعد تأمل للكتاب الكريم، وسنة سيد المرسلين، وسيرته العطرة، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أن الله تعالى قطع بالنص الجدال فيما لا يتغير زمانا ومكانا، أو في أحدهما، وترك الباب مفتوحا للعقل البشري المؤيد بالوحي في أمور كثيرة تتغير بالزمان أو بالمكان، أو بهما.

فلو أخذت أي مسألة كثر فيها الجدل لعلمت أن النص لم يأت قطعيا فيها ليترك المجال لاختلاف الناس في أزمانهم وأوطانهم، وأوضاعهم، وظروفهم. وهذا من أبين الدلائل على رحمة الله بالأمة وتيسيره عليها.

لكنك ستقف معجبا بالنص القاطع في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ولحم الخنزير، والربا، والزنا، والفواحش، وأكل مال اليتيم، والظلم، بعمومه، وعقوق الوالدين، وما أشبه ذلك، إذ إنها لا تتغير بزمان ولا بمكان!

فالشريعة الغراء جاءت بكل يسر وسهولة، تنظيما وتخفيفا، وتبشيرا!

والفقيه حقا هو من يبحر في لجة النص ليرسو في ميناء الحق بلا حرج ولا عنت يغشى كاهل المسلم، متكئا على قول الحق تبارك وتعالى «وما جعل عليكم في الدين من حرج» وعلى ما أخبرنا عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما. وتبيان ابن عباس رضي الله عنه حين سئل عن سبب جمع النبي صلى الله عليه وآله بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر. قال: لئلا يكون على أمته حرج. وقالت عائشة رضي الله عنها عن سبب عدم صلاته الركعتين بعد العصر في المسجد، قالت: مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إسوة حسنة. هذا، والله من وراء القصد.