في السياسة لا تُقاس قيمة الاتفاقيات بعدد الكلمات التي تُكتب في بنودها، بل بحجم الرسالة التي تصل إلى من يقرأ ما بين سطورها.

ومن هذه الزاوية تبدو «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان أكثر من مجرد تفاهم دفاعي، فهي إعلان عن انتقال العلاقة بين ثلاث دول ذات ثقل إقليمي من مساحة التعاون المتفرق إلى معادلة أمنية أكثر وضوحاً: أمن أي طرف منها لا ينبغي أن يُترك منفردًا أمام العدوان.

جوهر الاتفاقية بالغ الدلالة، فالهجوم المسلح على أي دولة من الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا.

وهذه العبارة ببساطتها الظاهرة تحمل في السياسة والأمن معنى أكبر بكثير من صياغتها القانونية، لأنها ترفع كلفة التفكير في استهداف أي طرف، وتحوّل حسابات الخصم من مواجهة دولة واحدة إلى مواجهة منظومة من المصالح والقدرات والعلاقات.

وهنا تحديدًا تكمن فكرة الردع، فالردع الناجح ليس أن تدخل الحرب، بل أن تجعل خصمك يعيد حساباته قبل أن يفكر في إشعالها، وليس المطلوب من التحالفات الدفاعية أن تبحث عن المعارك، وإنما أن تجعل السلام أكثر قابلية للاستمرار، وهذا ما يجعل التعاون الدفاعي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد ذا أهمية تتجاوز الجانب العسكري المباشر إلى بناء بيئة أمنية أكثر تماسكًا.

واللافت أن هذه الاتفاقية لا تأتي من فراغ، بل في ظل مسار متنامٍ من التعاون السعودي ـ الباكستاني، وفي وقت تتجه فيه العلاقات السعودية ـ التركية كذلك نحو مستويات أوسع من الشراكة السياسية والاقتصادية والدفاعية.

اجتماع الدول الثلاث في إطار دفاعي مشترك يمنح هذه العلاقات بعدًا استراتيجيًا جديدًا، ويعكس إدراكًا بأن التحديات الأمنية الحديثة لم تعد تعترف كثيرًا بالحدود التقليدية.

لكن دخول تركيا في المعادلة يضيف بُعدًا مختلفًا، فنحن أمام ثلاث دول لا تتشابه في الجغرافيا أو طبيعة التحديات أو أدوات القوة، وهذا تحديدًا ما يمنح العلاقة قيمتها الاستراتيجية.

السعودية بثقلها الاقتصادي والسياسي وموقعها المحوري في الخليج والعالم العربي، وتركيا بقدراتها العسكرية والصناعية وموقعها الجيوسياسي، وباكستان بعمقها العسكري والاستراتيجي وقدراتها الدفاعية، اجتماع هذه العناصر لا يصنع بالضرورة كتلة مغلقة، لكنه يخلق شبكة مصالح أمنية يصعب تجاهلها.

والأهم من ذلك كله أن الاتفاقية لا تحتاج إلى أن تُقدَّم باعتبارها موجهة ضد دولة بعينها حتى تكون ذات معنى.

هذه نقطة جوهرية، القوة السياسية الناضجة لا تحتاج دائمًا إلى تسمية الخصم، يكفي أن تحدد بوضوح ما الذي تريد حمايته.

والذي تريد الرياض حمايته في المقام الأول هو أمن المملكة واستقرارها، وفي الوقت نفسه أمن إقليم لا يمكن أن تزدهر فيه التنمية والاستثمار والمشاريع الكبرى إذا ظل مفتوحًا على احتمالات الصراع.

لذلك فإن السياسة السعودية الحديثة تبدو أكثر ارتباطًا بفكرة بناء القوة من أجل الاستقرار، لا بناء الاستقرار على افتراض ضعف الآخرين.

وهنا تظهر أهمية الاتفاقية في سياق أوسع، فالسعودية لا تنظر إلى الأمن باعتباره ملفًا عسكريًا فقط.

الأمن اليوم اقتصاد، وطاقة وممرات تجارية وتقنية، وأمن سيبراني وقدرة على حماية المصالح الحيوية، وشراكات تمنح الدولة خيارات أوسع عندما تتغير موازين القوى.

ولهذا فإن التعاون الدفاعي الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الطائرات أو الجنود، بل بمدى قدرة الدول على تبادل المعلومات وتطوير الصناعات الدفاعية، ورفع الجاهزية وتنسيق المواقف وبناء الثقة وتحويل التعاون السياسي إلى قدرة عملية.

وفي المقابل من الخطأ قراءة الاتفاقية بوصفها إعلانًا عن «محور» جديد في المنطقة، الأصح أنها محاولة لبناء مظلة مصالح مشتركة، فالدول الثلاث ليست مطالبة بأن تتطابق في كل ملفات السياسة الخارجية، ولا أن تتخلى عن علاقاتها الدولية الأخرى، بل إن قوتها الحقيقية قد تكون في قدرتها على التعاون أمنيًا مع الاحتفاظ باستقلال قرارها السياسي.

وهذه هي الرسالة الأعمق: حين تتفق ثلاث دول على أن الاعتداء على إحداها يعني أن الآخرين معنيون به، فإنها لا تعلن رغبتها في الحرب بل ترفع ثمنها على من يفكر فيها.

وفي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة وتتشابك فيه المصالح، لم يعد الأمن رفاهية دبلوماسية بل أصبح شرطًا لاستمرار التنمية والسيادة والاستقرار.

ولذلك فإن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» يمكن قراءتها باعتبارها رسالة سياسية قبل أن تكون ترتيبًا عسكريًا: نحن لا نبحث عن خصومة جديدة، لكننا نعيد تعريف كلفة الاعتداء علينا، لا نريد حربًا لكننا لا نترك أمننا رهينة لاحتمالاتها.

ومن مكة حيث تلتقي رمزية المكان بثقل القرار، تأتي الاتفاقية لتقول بوضوح إن السلام لا يحمي نفسه دائمًا، أحيانًا يحتاج إلى قوة تحميه، وشراكات تردع من يختبره، وإرادة سياسية تعرف أن أفضل طريقة لمنع الحرب ليست انتظارها، بل جعل ثمنها باهظًا قبل أن تبدأ.